هما مكانان تسير بهما الخطى متسارعة، اقتداء بالسنة في الإسراع بدفن الميت بعد الصلاة عليه، حتى إن كثيرا من المشاركين في مراسم الدفن من الذين عاشوا لحظات السير عبر هذا الطريق من الحرم وصولا إلى المعلاة استشعروا أن الجنائز التي يحملونها كأنها تطير فوق أكتافهم، دون أن يجدوا تفسيرا لهذا، على الرغم من أوزان جثامين المتوفين، وأضافوا: خلال حملك للجنائز لا تشعر ببعد المسافة الفاصلة بين الحرم والمعلاة والتي تتجاوز كيلو مترا واحدا، ولا تشعر بصعوبة الحركة، ويجتمع المشيعون في المسيرة بحثا عن الأجر والمثوبة، وأغلبهم لا يعلمون من هو المتوفى ومن أين ينحدر أصله، كل ما يدركونه أن الصلاة على الميت أجرها قيراط، والمشي مع الجنازة بذات الأجر الذي يعادل جبل أحد.
المدعى منطقة تقع بالقرب من موضع غز فيه الرسول، صلى الله عليه وسلم، رايته يوم فتح مكة، وتقع اليوم في منطقة الغزة، وأزيلت كافة عقاراتها لصالح توسعة الساحات الشمالية، وكانت تشتهر باحتضانها لسوق المدعى، والجودرية ومجاورتها لسوق الليل، ولا يزال المشيعون يقصدون تلك المنطقة وصولا إلى المقابر، لكونها أقرب مسافة من باقي مناطق الحرم.
ظل هذا الأمر لسنوات طويلة، قبل أن تبدأ جهات متخصصة بالاضطلاع بعملية تجهيز الموتى، الأمر الذي قلّ معه مرور الجنائز من سوق المدعى، والذي ظل هو وسوق الجودرية أول سوق عرفه الناس والحجاج منذ أكثر من 300 عام لمجاورته للمسجد الحرام، والذي كان يوفر للناس كل احتياجاتهم الغذائية والملابس وهدايا الحجاج.
ما زال الناس اليوم يذكرون طريق الجنائز عبر الجودرية ثم المدعى إلى المثوى الأخير وهو المعلاة، مرورا بالمحلات التجارية التي كان يتطوع عدد من أصحابها بالمشاركة في حمل الجنائز كسبا للأجر.
وسرد معتوق بيطار، وهو أحد قدامى المكيين، ذكريات حمل الجنائز قبل أكثر من 20 عاما، كان المشيعون يتوقفون في مسجد الفاتحة الواقع في منتصف الطريق الرابط بين الحرم والمعلاة، يرددون آيات الفاتحة، ويصرخ أحدهم بقوله (ماذا تشهدون على الميت) فيردون (ما شهدنا عنه إلا كل خير) ثم تستمر المسيرة وصولا إلى مقابر المعلاة وعلى أبوابها يتوقف الركض ويصرخ أحدهم (ماذا تشهدون على الميت) فيردون (ما شهدنا عنه إلا كل خير) فيتم الدخول به إلى المقبرة ودفنه.
ويضيف البيطار أن في السابق لم تكن تؤدى الصلاة على الميت في المقابر إلا أنها في وقتنا الحالي أصبحت موجودة ويحرص الناس عليها، خاصة الذين لم يتمكنوا من الصلاة على الميت في المسجد الحرام.