ما علاقة الدين والنظريات بتشكيل الأخلاق؟
الأديان والنظريات والمبادئ بما فيها الشرائع السماوية لا تصنع الإنسان ولا تشكله كما نظن، بل الإنسان هو الإناء الذي يتشكل فيه الدين! بمعنى أقرب فإن طبيعة الإنسان هي التي تتحكم في الدين وليس الدين يتحكم فيها،(فسالت أودية بقدرها).
قد تكون جبلة الإنسان وطبيعته وتربته نظيفة فتتلبس بدين باطل أو فكرة خربة ولكنه بجمال طبيعته وجبلته يصبغ الباطل أو يظهر الفكرة بالمظهر الفاتن الذي تنجذب إليه القلوب وتبادر باعتناقه، وعكس ذلك صحيح ممن تشوه بهم الإسلام.
يبدو هذا الكلام في ظاهره غير مقبول لأننا دائما نؤمن ونوقن بأن هذا الدين إذا اعتنقه الإنسان غيّر مجرى حياته وبدله من الشر إلى الخير ودائما ما نستشهد بأحوال الصحابة أو غيرهم ممن أسلموا وانقلبوا ساعة إسلامهم، ونضع أمثلة كثيرة لها من أكابر الأصحاب الكرام رضي الله عنهم، ولكننا في أثناء ذلك ننسى أن عددا ممن رأوا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ارتدوا أو بدلوا وخانوا عهودهم.
إذن فالنظريات أو الديانات يشكلها ويبرزها معتنقوها بحسب نوعياتهم وطبائعهم.
ولا ننكر أن المبادئ الكبرى في الدين الحق والنظريات المستمدة منه يبقى لها أثر بارز في وجهة الأخلاق والسلوك لأنها وإن كانت محكومة بطبيعة الإنسان إلا أنها حاكمة من جهة أخرى هي جهة القداسة في عدم تجاوزها، ولكنها محكومة من جهة تطبيقها بشكل من الأشكال.
يقول تبارك وتعالى:(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، في هذه الآية دليل على أن الدين لا يعمل عمله حتى تبلغ النفوس مقاماً خاصاً من الزكاة والطهر، ولهذا أضاف التزكية للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يضفه إلى الآيات، وإن كانت الآيات أداة للتزكية ولكنها في مرحلة متقدمة أي بعد أن تتطهر النفس وتترقى الروح إلى مقام الاستجابة.
وفي التدرج التشريعي الذي أنزله الله في القرآن كتحريم الخمر مثلا في سنين على مراحل يدل على ذلك، ويبقى الدين وتبقى النظريات أداة للتزكية ولكن الطبائع والجبلات لها دور في تشكيل الدين أشد مما يتصور الناس، ولعل إلزام الإسلام الناس بالتشريع والقوانين جاء من أجل ألا تتحكم الجبلات في مساره العام.
إن الأنبياء والصالحين ممن اصطفاهم الله عز وجل برسالاته أو بتكاليف أخرى ورفعهم بها في القرآن ذكرا وثناء، لم يأت اصطفاؤهم بعد إنزال الدين أو التكليف عليهم، بل جاء اصطفاؤهم قبل ذلك فتم تطهيرهم وتأسيسهم على أسس جبلية خلقية وخلقية ليكونوا مهدا للتكليف حتى وإن ظهر من بعضهم جحود وعناد كما كان بعض أكابر الصحابة، وهذا صريح في القرآن حيث يخبر الله عن مريم عليها السلام: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين).
هناك من يعتقد بأن من يعتنق هذا الدين قد بلغ الخيرية المطلقة، والخيرية المطلقة ليست مزاعم أو دعاوى يجعل الإسلام شعارا لها، بل الخيرية ما ذكرها الله عز وجل:(تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، وليست الخيرية بمجرد الإقرار بالوحدانية لله سبحانه، فالإقرار بالوحدانية ينجو به العبد من الشرك ومن مساخط الرحمن إذا أحسن النية، أما الخيرية التي هي أعلى درجة ومكانة فلا تأتي إلا من أقوام صلحت سرائرهم وطهرت أرواحهم وغشاهم النور فصارت أعمالهم وأهواؤهم تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
مع إيماننا بأن الدين الحق يتشكل في هؤلاء على حسب طبائعهم واختلاف مراتبهم وقدراتهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ‏(مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ ‏ ‏الْغَيْثِ ‏ ‏الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ‏ ‏الْكَلَأَ ‏وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا ‏أَجَادِبُ ‏أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ ‏قِيعَانٌ ‏لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ ‏ ‏كَلَأً ‏ ‏فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ).
حديثنا هنا عن الطبيعة القابلة للمبدأ وليس عن العمل بالمبدأ حتى لا يحدث الخلط.
يبقى هنا قضية التزكية وهل الدين أداة تزكية أم هو أصل التزكية؟
إذا قلنا إن الدين أصل التزكية فلا بد أن نعطي شهادة لكل من اعتنق الإسلام بأنه صالح مصلح مهما عمل من سوء، وعلينا ألا نطالب من اعتنق الإسلام بأن يذعن للشريعة والقانون والمساءلة والمحاسبة.
أما إذا اعتبرنا الدين أداة تزكية ووسيلة إلى الكمال الذي يريده الله فإننا نطالبه بالعمل وبذل الوسع في زكاة نفسه والتمسك بهذا الدين والعمل بتعاليمه، وهذا الذي يتفق مع الشرع والعقل.
ولقد أمر الله رسله وأولياءه وأحبابه بالعمل وكثرة الذكر والصلاة والتوبة كي يتحملوا التبعة وثقل التكليف، وقال عن المعرضين:(ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا).
عندما تتعامل مع الغربيين تجد تعاملا راقيا ومحكوما بالقوانين والآداب العامة واحترام الإنسان كما هو أثر الحرية السياسية والإنسانية لديهم، وتظن عندها أن أتباع الغرب من العرب على طريقتهم في التعامل والقيم ولكنك تصدم عندما ترى العرب لا يؤمنون من الديمقراطية إلا بحريتهم، ولا يفقهون من آداب الغربيين إلا التمرد على مبادئنا إلا قليل منهم، ورأينا الاشتراكيين والقوميين والإسلاميين عندما حكموا كيف انسلخوا من دعواتهم ومبادئهم.
ومن العجائب أن تجد مؤرخا كبيرا كالعلامة عبدالرحمن الجبرتي يذكر أن الناس يتعاملون في مصر بعملة الفرانسة! وذكر أن وجود هذه العملة أصبح عزيزاً ومن العجائب أن تجد مؤرخا كبيرا كالعلامة عبدالرحمن الجبرتي يذكر أن الناس يتعاملون في مصر بعملة الفرانسة! وذكر أن وجود هذه العملة أصبح عزيزاً (لرغبة الناس فيه لسلامته من الغش والنقص بخلاف معاملات المسلمين، فإن الغالب على جميعها الزيف والخلط والغش والنقص).
هناك أخلاق عامة وصفات مشتركة تنمو مع الطبيعة قبل أن تتلقى أوامر أو نواهي كالصدق والكرم والعفاف وحسن المعاملة والشجاعة وصفاء النفوس وغير ذلك،
ولا تستغرب أن تلقى مسلما جبانا أو بخيلا أو سيئ السريرة، وتلقى في نفس الوقت غير مسلم شجاعا كريما نقي السريرة لا يحمل حقدا ولا عدوانا، وهذه أخلاق تصنعها البيئة والحياة المحيطة بالإنسان، وإذا تنقلت في الأقاليم أو في المدن في أي بلد مسلم ستجد في كل مكان نوعا من الأخلاق والسجايا تختلف عن المكان الآخر، ونحن عندما نريد جيلا يصلح لمبدأ من المبادئ أو قيمة من القيم، فعلينا أن نصنعه أولا ونشكله بما يناسب النظريات القادمة عليه، لأن هذه المبادئ والنظريات سوف تتشكل بحسب معتنقيها.
ومن المبكيات في حياتنا أن الأطفال الذين يحفظون القرآن من الطفولة تصيبهم أدواء أخلاقية كالرياء وحب الثناء والكبر والتطلع إلى الصدارة دائما.
إن حديثا قاله النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح شعارا لنا في هذا المقام:(خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا). وخياركم في الجاهلية أي الذين سادوا بأخلاقهم وفعالهم وشمائلهم فإذا التقت هذه الشمائل مع الإسلام أنبتت العشب والكلأ وجاءت الثمار يانعة.
إننا نشاهد في حياتنا أشخاصا حملوا قبل التدين صفات سيئة، وبعد التدين حملوا نفس الصفات بكل ما فيها من سوء، وهم ليسوا مطالبين بتغييرها فورا بل لا بد من علاج وعلاجها بالتزكية والتدرج، لأن الدين كما قلنا أداة للتزكية وليس يزكي من اعتنقه بتلقائية كما يظن كثير أو يشكل صاحبه وقت اعتناقه له. أحس أن العرب الذين كانوا أفضل بيئة قام فيها الدين والفضيلة، هم الآن البيئة التي تتشوه فيها كل النظريات الدينية والمادية، فعلينا أن نسأل في الختام: هل الداء عربي معاصر؟