يبدو أننا لن نخرج من دوامة أنفسنا مهما أبدينا من المرونة لتفهم الآخر.
فالآخر هذا والذي يعيش حولنا أو بقربنا أو حتى لو قلنا جزافاً داخلنا، يظل (آخر) لا يصلنا ولا نشعر به بعمق ولن يخترق ذاتنا ليشعر بنا ونشعر به كما نفعل مع أنفسنا، مع ذاتنا.
نعم، تظل الأنا أقوى ما فينا وتأخذ كل المساحات داخلنا، وإن حاولنا كثيراً أن نثبت لأنفسنا ولسوانا العكس، ونظل نحيا طوال عمرنا نثبت أن الأنا فينا محدودة وأننا نتحكم فيها ولا نسمح لها أن تطغى على إيثارنا لسوانا.
ولكن هذا الذي نفعله هو وجه آخر للأنا التي تولد فينا حين نولد ولا تغادرنا حتى الموت، وتظل تتغذى على كل ما نبنيه داخلنا من مشاعر إيجابية نحملها أو نوجهها للآخر.
ترتبط الأم بابنها وهو بداخلها بحبل سري يُقطع عند الولادة ولكنه مادياً فقط يُقطع، أما ما يحدث بعد ذلك مدى الحياة فهو أعجب ما يمكن أن يكون من تناس للذات من الأم للابن، ولا نستطيع حصر ذلك في مشاعر أو مبادئ معينة، إنما هو إيثار خاص لا دخل للأم فيه، هي فقط تجده داخلها ويبقى ملازماً لها ملاصقاً لجدران قلبها يوجهها متى ما احتاجت لتفعل كل ما هو عكس الأنا الجبارة التي تعتصرنا كل لحظة.
أن نجد آخر يحمل هذا الحبل السري الذي تحمله الأم ولا ينقطع، أن نجد آخر يحمل كل هذا الفيض من الإيثار لآخر مثله لم يربطه به حبل سري بالمعنى المادي، فذلك من نوادر الزمان التي لن يتفضل علينا بها كثيراً.
إن وجدت مثل هذا الآخر، فلا تضيعه أبداً وألصقه بجدران قلبك ما حييت كما تلصق الأم ابنها بجدران قلبها.