(ثمانون ملياراً) رقم مهول، كيفما تمَّ قياسه، والأهم من ذلك، النظر إليه من منظور المعنى، سيما ذلك المعنى الذي وقر في ضمير من وعى أهمية هذا المكوَّن الحيوي (التعليم) في نهضة الأمم التواقة إلى العمل والنهوض والإنتاج. وأما التعليم لدينا فكثيراً ما حمِّل إخفاقات التنمية، ورداءة المخرجات، وظلمات الطريق الذي سلكه بعض المتعلمين.
وكثيراً ما جأر المخلصون وكتبوا وشكوا حال التعليم، وكثيراً ما علَّقوا على وزارته تطلعات وأحلام، وكثيراً ما استحالت الأحلام ملحاً مراً كلما أبصرت ابتهاج الطلاب بتعطيل الدراسة لأي سبب.
قائمة طويلة من المكابدات والمعوقات والعثرات أيصرها المخلصون، يخدِّر وجعها الحارق عناوين براقة يطلقها الوزراء السابقون في أول يوم من عهودهم الزاهرة، لا تلبث أن تطير مع الريح وتنكشف حقيقة مرفق التعليم، وحكاياته التي بات يدركها كل مواطن.
قضية التعليم باتت حقلاً متاحاً لكل من أراد اجترار الشكوى ومراودة الإحباطات، وكل عنصر في منظومة التعليم-الطالب، المعلم، المناهج الدراسية، المدرسة، والأنظمة الإدارية-يستدعي سلسلة من المثالب والإخفاقات، ناهيك عن الأوصياء والصحويين المهمومين بصناعة المجاهدين، أو القانطين الذين يريدون إيراد أبنائنا حقول الموت، وهم في ربيع الحياة، ويميتون في ضمائرهم حقيقة الوطن.
التعليم مؤسسة صناعة الإنسان الأولى، فيها يُبنى وعيه ويتأسس عقله، وتتكون مداركه، وتُؤسس قيمه، وتُولد مواهبه، وتُصاغ مهاراته، وتُرسم أحلامه. وهي القاعدة التي تشكل كيان الأمة وتحدد معالم مستقبلها. من هذه المؤسسة بدأت الخطوة الأولى لصناعة حضارات من حولنا. منها تقدموا، وبها تأخرنا. وإليها تنبه من أراد اختصار مسافة النهضة والتقدم والمنافسة في العالم، فأعادوا تأسيسها بعد أن اكتشفوا عوارها فنقضوها، وأعادوا صياغتها ليلحقوا بالركب، ويتجاوزوا التخلف والجهل.
في حين لم يكن لنا حول سوى تعليق آمالنا على الرجال المخلصين، الذي تعاقبوا على تولي مرفق التعليم، لأنه لم يكن ثمة مؤسسة يُركن إلى جدواها في حمل تطلعات وآمال..... حتى جاء عهد الفيصل، وآلت الوزارة إليه، وهو يحمل على عاتقه تجربة سنين طويلة من الحكم الإداري المحلي، وهو الوحيد صاحب التجربة الإدارية التي تقوم على رؤية منهجية في تفاصيلها وحمولاتها وأهدافها، في جميع مواقع المسؤولية التي تولاها.
ثمة منظومة نظرية علمية يؤمن بها، ورؤية جادة وواعية يعمل على هداها وفي إطارها. عرف بنهجة العلمي، وإيمانه بالتنمية، وإدراكه وامتلاكه لأدواتها ومراحلها. في إمارة مكة أسس مرفقاً إدارياً وتنظيمياً، سمَّاه (الشؤون التنموية)، ما لبث أن اعتمد تنظيمياً في كل إمارات المناطق، وكان حقق في عسير طفرة تنموية تجاوز بها حسابات الزمن والتضاريس، فحقق نجاحات تشهد له، وكان شاهداً عليها، ولأنه يجمع بين حنكة الإداري وعقل المثقف، كان الوحيد في نسقه النوعي الذي سجَّل سيرة منجزة التنموي ومراحل مشواره الوظيفي بأطروحات مدونة، تعكس فكره وقناعاته ورؤاه، شغوفا بالفن والمعرفة، يشهد لإرادته فيهما (سوق عكاظ)، عند ما بعثه من مراقد النسيان، وجعله محفلاً وعيداً للتاريخ والفن والمعرفة. كل ذلك يفتح نافذة جديدة للطموحات والتطلعات والأحلام حول التعليم ومستقبله في بلادنا؛ ليس (بالثمانين ملياراً) فقط، ولكن بالعقل الذي يدير هذه المزودة الثرية والضخمة من المال، الذي لا يكفي وحده لتصحيح ركام الأخطاء والمعوقات، واعوجاج المسارات وسقمها.
فلسفة التعليم بحاجة إلى مراجعة وتفكيك لمنظومتها الكلية التطبيقية، وإعادة رسم سياسات جديدة على ضوء الثوابت الدينية والوطنية. ومتطلبات الواقع الجديدة، ونظم المعرفة الحديثة.
فليست أمية الأمس، هي أمية اليوم. تغيرت مواصفات الأمي. ولم تعد منظومة المستجدات المعرفية تسير بالدرجة ذاتها التي كانت عليها قبل سنوات قليلة، بينما لا يزال تعليمنا يسير عكس حركة النمو الطبيعي للحياة.
وإذا ما أريد للمال أن يحقق التطلعات العظيمة التي يحلم بها الإنسان في هذا الوطن؛ فإن ذلك يقتضي عقلاً واعياً مدبراً وبصيرة نافذة، تتخذ منهجاً مؤسسياً جاداً تخطط له خبرات إدارية تربوية وتعليمية إستراتيجية،عينها على الإنسان والعالم والمستقبل، وليس على الماضي والأفق الضرير والأوهام.

