تحديات التعليم وإصلاحه لا تقف عند اتهامات هنا وهناك ومحاولات رد (التعليم المختطف) من فئة إلى فئة أخرى؛ فالمسألة أكبر بكثير مما هي عليه. فأولى خطوات إصلاح التعليم هي تهيئة البيئة التعليمية الصحيّة للمستفيدين من طلاب ومعلمين وأولياء أمور ومجتمع؛ (بيئة ثقافية) خالية من التوترات والصراعات وتصفية الحسابات، يسودها التعايش والتسامح وتقبل الآخر. (بيئة نفسية) تجعل الطالب والمعلم يُقبل على المدرسة بروح صافية وسليمة راغبة ومقبله غير مدبرة ولا مُكرهة.
(بيئة عملية) تتيح للكل التعلم والاستفادة وتبادل الخبرات دون تعقيدات نظامية وإجراءات بيروقراطية وهذا بالطبع وفق أنظمة وقوانين تحكم الجميع وتنظم سير العمل. (بيئة إنسانية) متمحورة حول الإنسان ويسمي باولو فريري هذا التوجه بـ(المفهوم التبادلي) حيث العلاقة بين المعلم والطالب أفقية يتعلمون من بعضهم البعض، فلا توجد هنا سلطة معرفية للمُعلم، بل إن الحوار المتبادل والمستمر بين الاثنين للوصول إلى (المعرفة الصحيحة) هو الأساس. التعليم هدفه الأساسي (الطالب) والعمل على إكسابه (معارف ومعلومات) و(مهارات وخبرات) و(قيم وأخلاق)، والكل في وزارة التربية والتعليم يعملون لتحقيق ذلك مهما اختلفت مناصبهم وتوجهاتهم.. السؤال: من أين نبدأ الإصلاح؟ لو استطعنا تحديد نقطة البداية لأحسنّا الانطلاقة نحو تعليم مستقبلي ناجح ومثمر، أرى أن يبدأ الإصلاح من (تعليم مهارات التفكير)، حيث تعد (عملية التفكير) عند الإنسان من أكثر المواضيع التي شغلت الاهتمام منذ زمن بعيد، ولا تزال تشغل العلماء في مجال صناعة الأجهزة الالكترونية (الذكاء الاصطناعي) والإنسان الآلي الذي يتلقى أوامر البرمجة فقط ولا يستطيع التفكير مطلقاً، فلا يمكن الاستغناء عن هذه العملية العقلية الراقية في كل أفعالنا ومراحل حياتنا، كما لا يمكن التغلب على المشكلات والشك والتردد دون عملية التفكير، خاصةً عندما نعلم أن المعلومات والمعارف التعليمية والتربوية التي نتلقاها
لا تكفي للتعامل مع المواقف العملية والواقعية ووضع الحلول المناسبة لها، وهي بذلك ليست بديلاً عن (التفكير)، فطريقة تفكيرنا تصنع نجاحنا ومستقبلنا في كل ميادين الحياة، وإذا أمعنا قليلاً في مشاعرنا وسلوكنا وقراراتنا وجدناها نتاجاً مباشراً لطريقة التفكير، وهذه الطريقة تختلف بالتأكيد من شخص إلى آخر..
تنبثق أهمية تعلّم مهارات التفكير من أنها تُعلم طرائق وآليات التفكير الأفضل، فممارسة التفكير طويلاً بدون تعلم هذه الطرائق لا يُؤدي إلى تحسينه، كما أن مهارات التفكير تُعلم الإدراك وليس المنطق، وهو أهم عوامل التفكير، لأن الإدراك يُشكل الطريقة التي نرى بها الأشياء بغض النظر عن مدى جودة حكمنا المنطقي عليها، فليس المهم فقط أن نحكم على موقف ما بأنه صائب أو لا، وإنما لا بد من إدراك شامل للجوانب المتعلقة بهذا الموقف أو القضية المطروحة، وبذلك نصل إلى صناعة التفكير لدى الطالب والذي يمكّنه أن يميّز بين الحق والباطل، ويمكّنه من اتخاذ قراراته الحياتية بكل جدارة واقتناع، ويمكنه تحديد اتجاهاته الفكرية وفق قناعات وليس مجرد فرض وإجبار.
التعليم.. واختطاف التفكير
محمد الحمزة3 دقائق للقراءة

حجم الخط
