الشهرةُ ضربٌ من حظٍّ، إذ ليس لها عند التحقيق، أدنى علاقة بـ»الكفاءة»، ويمكنك أن تستدعي -عبر ذاكرتك- جملةً مِن الأسماء التي قد حظيت بـ»شهرةٍ» هي أوسعُ بكثيرٍ مما هم عليه من كفاءةٍ علميّة وعقليّة. وأيّاً تكن الأهليّة فلا جرم أن حيازة قصب الاشتهارِ، تكون في الغالب من نصيب الأضعف: «تأهيلاً» بما يجب أن يتوافر عليه «الداعية» عادةً من الصفات المعتبرة شرعاً وسَمْتاً، على حين أنّهم الأكثر (حظّاً) ليس غير، فيما «الإخلاص» شأنٌ قلبيٌّ ليس إلينا أمره.
عن أبي حنيفة قال: قدمت المدينة فأتيت أبا الزناد، ورأيت ربيعة فإذا الناس على ربيعة، وأبو الزناد أفقه الرجلين، فقلت له: أنت أفقه أهل بلدك، والعمل على ربيعة، فقال: ويحك؛ كفٌّ من حظّ، خير من جراب علم.
لعل هذا كان في عصر أبي حنيفة، يومَ أن كان الاشتهارُ، يُمكن أن يُعزى إلى كفٍّ من «حظِّ». ولو أنّ أبا حنيفةَ عاش زمانَنا هذا، فما أحسبه قائلاً إلاّ: إنّ الأكثر حمقاً هو الأوفر حظاَ في نيل «الاشتهار» والجلوس إليه.
وليس بخافٍ أنّ «الحمق» مراتب، ولعلّ من أعلاها: ذلك الحمق؛ الذي يكبُر مع صاحبه شيئاً فشيئاً، حتى ليبلغ فيه مقاماً، يرى معه «العقلاء» حمقى، ليس ينقصهم ليستقيموا على الطريقة، سوى قَصّه، ليسقيهم من ماء نوادره غدقا! كيف لو أدرك ابنُ الجوزي أصحابنا هؤلاء فماذا عساه أن يكتب؟
قرأتُ أخيراً لأبرز المصنّفين من هذا الفريق قوله: (من حقِّ الداعية أن يشتهر..) في سياقٍ من كلامٍ، أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنّه إنشائيٌّ، يفتقرُ للعلميّة، وتنقصه الخشية، إذ قصارى غايتهِ الاشتغال على الذبِّ عن «الذات» المتورّمة، على النحو الذي تُبتذَل معه «القيمة» لصالح «الأنا» في غيابٍ فاحش للتأصيل!
ولئن أنصت لصاحبنا -بعقل- دون عاطفةٍ، فإنّك لن تحار في الإجابة عن مثل هذا السؤال: لِمَ نحن «من جرف لدحديرة»؟! وذلك أننا نُرزأ في كلّ عامٍ بواحدٍ من هؤلاءِ «الحمقى» إذ بهم نرذل عاماً إثر عامٍ بطريقةٍ أو بأخرى، على الرّغم مِما يأتونه من موبقاتٍ وطوامٍ، لعلها هي من أجلّ أسباب اشتهارهم. مع أنّ الواحدة من طوامهم تلك من شأنِها أن تنبئك عن أنّه ليست تحت القبة من أحد، ولولا «البشت» لكان للناس مقال آخر! ولنسأل من رضي أن يكون مع «الخوالف» من أرباب السعي للشهرة والتلبيس تالياً على أنّها من «حقّ للداعية»!.
هل قَبلتم الشهرة بكل شروطها؟! وذلك أنّ الشهرة لا يمكن أن يحوزها أحدٌ ما لم يتوافر على كافة شرائطها، وبالرضوخ طوعاً وكرهاً لكل أدبياتها؟! وأيّ ثمنٍ كان ذلك الذي يُدفع في سبيل نيلها؟!
وهل شهرتكم تلك تختلف كثيراً عن الشهرة التي ما انفكّ السلف وهم لا يفتؤون عن التحذير منها؟!
ومهما تكن الإجابات، فلا تزكوا أنفسكم، ذلك أن التقوى من العزيز، بل لا يمكن بأيّ حالٍ أن تقترن بـ»السعي نحو الشهرة»، حتى إن كان هذا السعي شهوةً خفيّة يتعذر دفعها. فكيف إذن بمن شأنّه لا يفتّر، وهو كلِف ببذل كلّ ما في وسعه من جهْدِ ابتغاء نيلها؟!
إنّها الضريبة التي تدفع عنوةً من «الدِّين»، وبخاصةٍ حين يسعى أحدهم، بما أوتي من قوةٍ، في سبيل أن تبقى صورته حاضرةً، وعلى أيّ نحوٍ ينحشر داخلها ولو بالمقلوب، حتى إن استحال بآخرةٍ من أمره «مهرجاً» يبيع في الناس هذراً لا يزيدنا إلا خسارا!
إلى كلّ أولئك ممن جربّوا كلّ السبل ابتغاء أن يكونوا أشياء مذكورة فلم يفلحوا، يسعني أن أدلكم على أخسر الطرق التي تأخذك باتجاه «الاشتهار» وهي سبيل واحد -كلها عوج- يمكنك أن تسلكها فتكون حينها ملء السمع والبصر. ألا وهي «الحُمق» وليست بالتي تكلّف كثيرا، كما وأنه لا شيء يعترض سبيلها، وبوسعك أن تهتدي فيها سبيل الذين سبقوك -حماقة- بحيث كانت لهم الطريقة المثلى في تمثّلها فكانت لهم «المليونيّة» من كل شيء وفي كل شيء وعلى كلّ شيء.
وبعد.. فليس يصحّ في مثل هذا السياق من الكتابة أن تجيء غفلاً عن التذكير بما يلي:
قال المروذي: قال لي أحمد: قل لعبدالوهاب: أخمل ذكرك، فإني أنا قد بليت بالشهرة.
وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أبا عبدالله إذا مشى في الطريق، يكره أن يتبعه أحد.
قال الذهبي: إيثار الخمول والتواضع، وكثرة الوجل، من علامات التقوى والفلاح.
قال إبراهيم بن أدهم: «ما صدق الله عبد أحب الشهرة». وقال بشر بن الحارث: «لا أعلم رجلاً أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح» وقال أيضاً: «لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس».
وقال الحسن البصري: «كفى بالمرء شراً أن يشار إليه بالأصابع».
كُن أحمق حتى تتصف بـ»الداعية المشهور"!!
خالد السيف4 دقائق للقراءة

حجم الخط
