إذا كان (نزار قباني) شاعر الحب والياسمين، قد وصف بيروت بـ«ست الدنيا التي لا تكفينا كل الدنيا بعدها ولا قبلها»، فإن مصر هي أم الدنيا التي شكلت بأصابعها وزوابعها غواياتنا الأولى، وتموسق الوجدان العربي على إيقاع أغنياتها وعذاباتها وانتصاراتها وهزائمها.
مصر الآن تستعيد وجهها المتمدّن الذي ألفناه؛ لتخلق من شعبيات (سيد درويش) صوتا حرا لكل مواطنيها النبلاء، ومن زهور (أمل دنقل) جداريات لكل المفتونين بالشعر والسحر والعطر، ومن صوت (نجاة الصغيرة) شلالا من الضوء والضياء، نغسل به أرواحنا كلما استبدّ بنا الحنين، وتؤثث لأولاد حارة (نجيب محفوظ) فضاء يليق بجيل يؤسس لمرحلة شائكة، تزهو بالثورة وتناضل في سبيل البناء والتنمية.
مصر تستدرج دفئها المفقود؛ بمشاهد (يوسف شاهين) التجريدية؛ لترتّب بيت العرب الأثير، وملاذ العشاق والشعراء والمطحونين في هذا العالم العربي الذي يفيض بالدم ويختنق برائحة الفقد والموات.. ويكفي.