النشاط الفني غير المسبوق، الذي تعيشه الساحة السعودية على مستوى الفن التشكيلي والمعارض، في مدينة جدة تحديدا، يشي بوجود ثورة فنية وثقافية يشارك بها الفنانون بجميع أعمارهم ومستوياتهم الفنية، فهل يمكن الجزم بأن الفن أخذ مكانته بشكل لائق اجتماعيا؟
أهمية الاستقرار
الجيل الجديد جيل محظوظ بحسب ما يرى الفنان ضياء عزيز ضياء، كون الإمكانات متاحة له للتعبير وممارسة فنه بشكل أكبر، ومن خلال أبواب متعددة، بعد أن كان الفن محاربا في فترات سابقة. وأوضح عزيز أنه عمل في الخطوط السعودية وكل أعماله المهمة كانت في فترة استقراره الوظيفي، «والاستقرار ما يحتاجه الفنان ليبدع، مضيفا أن هذا الموضوع مهم وحساس، فالفنان يعاني معاناة لا يتخيلها أحد، لأن مجتمعنا لا يزال جديدا على الثقافة الفنية، رغم وجود من يقتنون اللوحات ويقدرونها، لكنهم قليلون».
نظرة المجتمع
وأكد ضياء أن الفن يحتاج لجهد شاق وفترة طويلة من العمل، إذا استثنينا المسألة الاجتماعية، وإذا أراد المبدع التفرغ للفن فهناك كثير من المتغيرات، لكن من الناحية الفنية، هل يستطيع هذا الشخص أن يصبح متجددا ومحافظا على مستواه، ونابغة يحول الفن لمهنة بالمثابرة والإصرار للمحافظة على مستواه العالي الذي يميزه؟ مؤكدا بأن الاجتهاد جانب مهم لا تختلف أهميته عن الجانب الاجتماعي.
ويشير الفنان التشكيلي عبدالعزيز عاشور إلى أن المسألة لها جانب مهم قبل كل شيء، يمكنه أن يحترف الفن، لكن ثمة سؤال: هل الفن «يأكل عيش»، بحسب تعبيره، ويسد حاجته وحاجة أسرته؟، هل الفن وصل لهذه الدرجة في مجتمعنا وثقافتنا؟، ورأى أن الإجابة متفاوتة على هذا التساؤل. ومن ناحية تقبل الفن كمهنة في المجتمع، يرى عاشور أن ذلك مرتبط بوجود مؤسسات تدعم الفنان كون تقاليدنا لا تعترف سوى بالإجابة على سؤال «كم تستلم؟»، مضيفا: مجتمعنا لا يعترف بالمهن الحرة، لذلك لا يمكن التغلب على هذه النظرة في المجال الفني، إلا إذا كانت هناك مؤسسات تدعم الفنان وتؤكد له بأنه سيحصل على مبلغ معين سنويا، وأضاف بأن العمل بالفن يحتاج لإنتاج هائل وساعات طويلة في المرسم ومتطلباتنا الاجتماعية لا تتقبل هذا الأمر.
تنازلات وتبعات
وعن تجربته الشخصية عبر عاشور عن الصعوبة التي واجهها وعن التنازلات والتبعات التي تحملها، وقال «الفن لم يعيشني، مثل ما نشاهده في بقية الدول بأن تكون وظيفته فنانا وأنه محترف يمارس مهنته، هذا غير موجود لدينا، ولا يستطيع أي شخص أن يفكر ببساطة بأن يتخلى عن وظيفته ويعمل كفنان إلا إذا كان جريئا ويغامر بتحمل تبعات الفن».
من جهته، استبعد الفنان عبدالله حمّاس أن يتقبل المجتمع هذه الفكرة، قائلا «نحتاج لوقت طويل حتى يرتقي الفن لدينا وترتقي الثقافة، ووقتها نجد الفنانين في كل مكان، ومن الممكن أن يصبح الفن مهنة، وحتى على المستوى البسيط الذي يمكن الشخص من استثمار موهبته في الرسم، مثل ما نشاهده في أوروبا من فنانين يرسمون في الشوارع وأمام المارة وقد يحصلون على مقابل».
وعزا حماس صعوبة تحول الفن لمهنة في الوقت الحالي إلى عدم الاهتمام من الأساس بالفنون كواجهة حضارية، وبالتالي لن يستطيع الفنان التفرغ للإبداع دون مصدر دخل أو جهة تدعمه.

