تتشابه الأيام وتتكرر، عصور تعقب عصورا دون ملاحظة ذلك التشابه إلا ما ندر من الذين يحبون الرصد والمقارنة، فالعائدون دوما من التاريخ يحملون معهم ابتسامة العارف بحقائق ما يخفى على كثيرين، بل إن بعض الحقائق تتكرر مع اختلاف جودة المشهد، فغالبية قيادات الجهات الرسمية يعلمون يقينا أننا سنكون في المستقبل أمام معضلات حقيقية، ويدركون جيدا أن لديهم مشاكل متعددة فنية وإدارية وهندسية، وآفاق الحلول لديهم واحدة وطاقية الإنقاذ دوما بالنسبة لهم ليست العمل الصحيح ولكنه العمل الطارئ حتى تهدأ العاصفة، فمن الصعوبة بمكان أن تجد جهة حكومية من الوزارات أو الهيئات المختلفة لم تحمّل أخطاءها جهات أخرى، متعللة بمشاكل تأخر مشاريعها وتعثرها على جهة ما، بل لربما قيدت أغلب الأخطاء بأسباب مختلفة لتخرج بهدوء من دائرة المسؤولية أمام المجتمع على الأقل، أليست هذه الأيام أشبه بما قد حدث قبل عقود بالطفرة المالية الأولى ونعاني منه اليوم؟ ليس هناك أي مدلولات اختلاف بين ما حدث وما يحدث اليوم، وبالأخص تجاه تعامل المؤسسات والجهات الرسمية مع الطفرة المالية، فمشاكل السنين الكثيرة لا يمكن أن يكون حلها بإغداق الأموال المبالغ فيها على المشاريع الموقتة، فدائما ما كانت لتلك الحلول الموقتة حدود زمنية لا يمكن أن تتجاوزها، إلا أننا تعودنا وتعلمنا كيف نجعل من الموقت دائما، وأن الدائم هو الاستثناء، مع يقيننا أن الحلول الدائمة هي الأجدى والأكثر نفعا وتأثيرا ومردودا، فذلك فخ نقع فيه، وهو من صنعنا بالدرجة الأولى، وبمساهمة قوية من إعلامنا المختلف.
تعامل الإعلام مع المشاريع والطفرة المالية هو ذاته الحاصل قبل عقود، فهو لا يتلاءم مع معطيات المرحلة ولا الأخبار المتكررة عن وضع حجر الأساس لكثير من المشاريع هي المأمولة منه، وبالطبع ليس المطلوب منه أن يسلط الضوء على الاحتفالات التي تصاحب ذلك، فقد لا يأتي بعد كل ذلك الاحتفال الفرصة بأن تسمع لضجيج المعدات والآليات ولو همسا، بل يكون قد أبقى على مشكلة قد يكون حلها سهلا اليوم ونقلها لأزمنة مستقبلية تصعب معها الحلول البسيطة وتحتاج إلى حلول جذرية طويلة وعميقة، وجعل من حيث لا نشعر أمامنا شَرَكًا من المعاملات التي تتضخم يوما بعد آخر، وتبقى مشروعاتنا حبرا على ورق، فإما متعثرة أو متوقفة أو قد سحبت وأعيد طرحها، وتستمر في تلك الدائرة الخانقة.
الإنجازات الورقية ليست خيالا، بل حقيقية واقعية تتجسد أمامنا ونتعامل معها جميعا وبأشكال مختلفة، فنحن حينما نبحث عن إنجازات جهة ما، نجدها قد اجتهدت كثيرا واستهلكت جهودها لإنجازات في مجالات أخرى ليست مرتبطة بها، ولكننا نبحث عن المنجزات الحقيقية والمشاريع الحيوية، وعن بنية تحتية للمدن ومستشفيات ومراكز بحثية ومطارات ومصانع وطرق ومواصلات، ولا نجدها، لنجد أن كل جهة لها منجزاتها في مجالات مختلفة، هي أقل صعوبة من مهامها الحقيقية، ولنكتشف أننا أمام جهات رسمية آثرت على نفسها القيام بالمبادرات النوعية لتنجزها على حساب أسباب وجودها الحقيقي، في الحقيقة؛ إننا أمام ضيق أفق يتكرر دوما ونذهل عن أسبابه.
لا أستغرب أن تمارس الجهات الحكومية أمورا إضافية لمهام عملها، ولكن أن تتجاهل الدور المطلوب منها كليا أمام المجتمع لتدعي خدمته عبر المسؤولية الاجتماعية فهذه سابقة نادرة، وتقارير المنجزات لكثير منها سيذهلك حتما ولكنه للأسف لا يخرج عن كونه مظهر إنجاز يحفزه طابع تنصل من مسؤوليتها، وحقيقة؛ تلك الجهات تخاذلت في إدارة مهماتها في سبيل أن تقوم بتنفيذ مهمات غير مسؤولة عنها.
نحن دوما نفرح ونبارك للوطن تلك الإنجازات من أجل أنفسنا وأبنائنا ومستقبلهم، وبالتأكيد؛ إننا في كل مرة سنفزع إذا ما اكتشفت الحقائق، ونالت من تلك الإنجازات وحقيقتها، وأنها لم تكن يوما سوى إنجازات ورقية بسيطة ومكررة وساذجة، وسراب يحسبه الظمآن ماءً.
الإنجازات الورقية آفة تحارب مشاريعنا
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
