«وليس عيوننا التي ترى بل قلوبنا»، مع المعري ندرك رغبة ما بعد تعذّر الرؤية لنعبّر عنها بأفضل وصف. ومع توماس كارليل أيضاً في مقولته: «يرى القلب دوماً قبل أن يرى العقل» تتجسد هذه المقولة كحكمة شعبية أثيرة يفتر حيالها الثغر عن ابتسامة عذبة يشترك فيها حضور اللحظة لتعّبر عن تأكيد جازم للحكمة والسخرية ممن اعتمد على عينيه فقط في رؤية هي ليست للحسّ وحده. أما الشوق والحرمان من الأصدقاء والغياب كلها عتمات سحرية تضيء مشاهدها في الداخل ولا تغيب، ويعرب عنها «دانتي» في الفردوس والجحيم، و»ابن حزم» في طوق الحمامة، و»المعري» في اللزوميات. وما بين دانتي والمعري من جهة وابن حزم من جهة أخرى، مساحة ما بين الضوء وارتداد الطرف تتحرك بسرعة لتستعيد ما قد كان، ومحاولة لاسترجاع أنّه ما زال هناك من أثر لبعض ذكريات تفرد جناحيها للعودة متى شاءت، لا متى شئنا نحن. أوبة البشر لإنسانيتهم التي أضحت قيد التلاشي، تؤكدها هذه المشاعر المشتركة بينهم. فمهما تنوعت الألوان واختلفت الأشكال والألسن فإحساس الإنسان بعاطفة الألفة والمودة تجاه الأصدقاء موجود، ولكنه يتفاوت صعودا ونزولاً وتبعاً للظروف المحيطة والمؤثرات التي قد تقوي من مثل هذه العاطفة أو تضعفها.
عندما يعتريك شوق لأصدقائك، يُخيل إليك أنّ هذه الأحاسيس مثل ليل الآخرين الذي ينتهي ليبدأ ليلك المفارق لعالم الضوء، داخلاً في عوالم لا نهائية من ظلام لا ترى فيه إلّا هواجسك الخاصة. وما بين العتمة وتعابير انعكاسات هذه الهواجس تتجلى مسألة فقدانهم أو غيابهم طال ذلك الغياب أو قصر. كيف ستكون الهواجس لو أنّ ظلاماً كهذا استمر، هل ستفقد بفقدانها حس الرؤية أم تكتشف عوضاً عن ذلك رؤيتك الداخلية التي تنسجم مع ما تحبه من تذكارات وتبتعد بها عما تكره وتتحاشى لتتلصص عليك الذكريات المُبعدة آخر ليلك الذي لا ينتهي إلّا بأحلام ورؤى وكوابيس من عمق الذاكرة تفضح ما كنت تخبئه ويستره ظلامها. ليست هناك إجابة محددة ترغمك على فقدان الرؤية كمعنى بدلاً من حس، وليس هناك جزم بأنه رغم مشاغل الحياة والدخول في دوامتها ثمة محدِّد للمسافة ما بين الشوق والرؤية والتي قد تكون مسافة عُمر كامل أو أقصر من ارتداد الطرف.
هذه الشجون حركتها قصة رجل في نهاية الستينات من عمره يبحث من عاصمة عربية عن اثنين من أعزّ أصدقائه، على الموقع الالكتروني لجالية بلده في الولايات المتحدة الأمريكية وقد فارقهما منذ زمن طويل وتقطعت بينهم السبل، ولا يعرف بالضبط أين طاب لهما المقام. ولكي تكتمل أحداث هذه القصة التي تصلح كسيناريو لفيلم سينمائي، قامت ابنة أحد صديقي الرجل المتلهف لصديقيه بالرد مباشرة عليه وأنهما بخير ويقيمان بالولايات المتحدة الأمريكية. إلّا أنّ الأصدقاء الثلاثة لم يراعوا مدى تأثر مشاعر كل من اطلع على الرسالة والقصة التي لاقت رواجاً كبيراً ويطلعونا على بقيتها. وبسؤال الرجل عن أصدقاء عمره في وقتٍ كثرت فيه الصداقة الافتراضية وملأت سوح مواقع التواصل الإجتماعي، وأقصى شروطها إرسال الطلب للموافقة عليه، يتضح الفرق في كيف تكون الصداقة حقيقية ولا تغيب عنها معاني الإخلاص والحب والوفاء.
هذه حيرة وشجن صديق على صديقيه، وهي قصة إنسانية مؤثرة وتتكرر بأشكال مختلفة، أما شجن الآخرين فقد يجد أحدنا نفسه داخل هوة من الأحداث والذكريات والمواقف تتقافز ما بين أركان الذاكرة، مشدودة إلى بعضها بعضا بخيط ضوء هو شوق إلى الرؤية. فهذا الصديق المخلص لا بد وأنّه طرق أبواباً كثيرة وعندما أعياه البحث داخل الوطن اتجه إلى ربوع الانترنت، زاده الوحيد هو إحساسه المؤكد بعاطفة باقية مع صديقيه وإن طال الغياب. كما أنّ أمله الوحيد أن يقرأ صديقاه أو من يدل عليهما من الصفحة موضوع الرسالة مثلما سيقرآن من ذاكرة راغبة بالإمساك ببعض ملامحه.
شجون صديق
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
