مخاطره عظيمة، يفتك بالأمم، ويسبب الأمراض، ويوهن الأجساد، ويضعف الاقتصاد، لا حدود لوبائه ولا نهاية لأضراره.
إنه أشبه ما يكون بجائحة تجتاح المجتمعات ويعم وبالها البلاد ويتكبد مرارتها العباد ويتجرع حسراتها فلذات الأكباد.
تلكم هي جائحة التدخين، الذي يقتل سنويا 7 ملايين (منهم 40 ألف مواطن خليجي)، ويحرق 12 مليون ريال سعودي، وذلك بحسب الدكتور صالح أحمد ذياب مدير برنامج مكافحة التدخين. أما على مستوى العالم وبحسب توقعات منظمة الصحة العالمية فإن الأعداد مرشحة للزيادة حتى يأتي عام 2020 للميلاد ليفتك بعشرة ملايين شخص.
مثل هذه الحقائق توجب على العقلاء الوقوف والتصدي وبهمّة عالية منعا لاستفحال الداء ومجابهة لهذا الوباء بشتى الوسائل وبكافة السبل.
وقد تم إعلان يوم السبت الماضي 31 مايو يوما عالميا لمكافحة التدخين، وأقامت الجمعية الخيرية لمكافحة التدخين معرضا توعويا واحتفالا مبسطا في أحد الأسواق الشهيرة لتوعية المتسوقين بهذا الداء العضال.
وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي يقوم بها الخيرون من أهل هذه البلاد لكن المشاهد هو استمرار انتشار التدخين وبخاصة بين أوساط الشباب والشابات على حد سواء، وذلك يعود في تصوري لأسباب عدة منها: وجود أياد خفية تصر على بيع هذا الوباء وبطرق ملتوية حتى في الأماكن الممنوع فيها بيعه. وعدم وجود أنظمة صارمة تحد من انتشار التدخين وبخاصة في الأماكن العامة.
إن غياب العقوبة الرادعة التي يكون من شأنها حصر الداء وإيقاف انتشاره، من أسباب تفشي هذه الظاهرة، فأنت تجد لوحة كتب عليها ممنوع التدخين وبلغات عدة ومع ذلك تجد من يدخن جهارا نهارا بجوارها، في غياب تام للعقوبة!
ولا شك أن قيام جمعيات خيرية لمكافحة التدخين ظاهرة إيجابية وتعد مفخرة من مفاخر بلادنا؛ وهي تقوم بجهود مضنية في سبيل التصدي والتوعية بأضرار هذه السموم.
وفي تصوري أن موقف الإعلام بشتى صوره من التدخين أقل من المفترض، وكان الجميع يتمنى التعاون مع مثل هذه الجمعيات لمكافحة هذه الجائحة التي تجتاح هذه البلاد الطاهرة، ولا أعلم مبررا لهذا الخمول من وسائل إعلامنا خصوصا إذا علمنا أن الانتشار يزداد يوما بعد آخر، ودليل ذلك مرور اليوم العالمي بدون صدى يذكر، إذا ما استثنينا بعض الصحف التي نشرت على استحياء وبمساحات محدودة جدا!
ومن المؤسف ما تعانيه هذه الجمعيات من قلة في الموارد وضعف في الإقبال على الدعم لبرامجها، ويظهر جليا عدم الإدراك الكامل لحجم الأضرار التي يسببها هذا السم الزعاف الذي يتناوله أبناء المجتمع وبعض بناته وبشكل متزايد في الآونة الأخيرة مع بالغ الأسف.
إن البحوث العلمية قد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك مضار التدخين المحققة، وجهود الجمعيات الخيرية بحاجة ماسة للدعم والمؤازرة من قبل كل ذي لب؛ لما له من عائد ونفع على المجتمع بكافة فئاته وشرائحه.
ووجود سوق سوداء دليل على نجاح الخطوات التي أريد منها منع التدخين، وهذا يجيّر للأمانات وللقائمين عليها، وبدلا من أن يجد ذلك الثناء وإزجاء الشكر تكون النتيجة عكسية من سوق اتهامات وتنديد، ولكن تلك طبيعة أعداء النجاح، فلا غرابة!
وأما مسألة غلاء أسعار الدخان فهو مؤشر نجاح آخر، وهذا مطلب يتمناه العقلاء؛ فعندما تكون الأسعار منخفضة فإنه يتاح لكل أحد (حتى الأطفال، وهذا أمر مشاهد) شراء هذا السم، وأما غيرهم ممن يغلبه هواه ولا يستطيع كبح جماح نفسه فإنه سيشتري كمية مضاعفة، وهذا من البداهة بمكان، فهل ننتقد إجراء كهذا؟
إن جائحة التدخين تستوجب تكاتف الجميع؛ فقد انتشرت انتشار النار في الهشيم، وعمّت الأوساط جميعا أطفالا ورجالا ونساء، وبالتالي فإن من الواجب المتحتّم على حكماء المجتمع الوقوف ضدها وقفة رجل واحد، بإيجاد الحلول الناجعة والسبل المتاحة التي من شأنها زوالها أو تقليصها على الأقل.
وفي الوقت الذي تحارب دول عديدة التدخين وتحظره في الأماكن العامة وتفرض غرامات مالية كبيرة على المدخنين (وصل إلى فرض عقوبة السجن)، وتمنع قطعيا الدعايات لهذا الداء، تأتي أقلام وتطالب بالسماح ببيع الدخان في تضاد عجيب!
وهنا لا بد من الإشادة بإعلان عقوبة من يدخّن في مطاراتنا، ونتمنى تطبيقها بشكل واضح وصارم، كما يرجى تعميم ذلك على كل التدخين في الأماكن العامة، وهو أمر مطبق في بلدان مجاورة في خليجنا ودول عربية وأوربية كثيرة، ولتُعلن بلادنا أنها خالية من التدخين، وهذا سيزيد صورتها بهاء ومكانتها رفعة، فهل نأمل في اجتثاث جائحة التدخين؟.