من المؤلم مشاهدة الأزمة الحالية في أوكرانيا، خاصة أنه كان يمكن تجنبها. إذا تُركت بدون رقابة ولم يتم التعامل معها، قد تشكل الأزمة الأوكرانية بداية لتدهور أوسع للوضع الأمني في شرق أوروبا وجنوب القوقاز.
في 2008، غزت روسيا واحتلت خُمس مساحة جورجيا وأفلتت من العقاب. في الحقيقة، لم تكن جورجيا سوى حالة اختبار بالنسبة لطموح موسكو بأن تعيد تأكيد نفوذها بالقوة على الدول التي كانت تابعة لها سابقا. وبفضل رضوخ الغرب لاستيلائها على أراضي جورجيا، تجرأت روسيا منذ ذلك الوقت لتفرض وجودها وعدوانها ببطء في المنطقة، وصولا إلى ضم شبه جزيرة القرم مؤخرا.
لإحباط أي تقدم روسي في المستقبل، على الحلفاء الغربيين أن يعملوا بحزم ويثبتوا وجودهم الناشط في شرق أوروبا وجنوب القوقاز، على الغرب أيضاً أن يحرم الكرملين من أي مناطق نفوذ حصرية جديدة. ثمن العدوان الروسي والتدخل في شبه جزيرة القرم يجب أن يكون مرتفعاً ومستداماً. لا يمكن أن يكون الثمن محدوداً بعقوبات اقتصادية محدودة، لكنها يجب أن تفرض تغيراً في الجغرافيا السياسية على المدى الطويل. من أجل تحقيق مثل هذا التغيير، على حلف الناتو أن يلقي نظرة أخرى على جورجيا.
في الوقت الذي مضت فيه روسيا دون عقاب على اعتدائها على جورجيا، كانت النتيجة بعيدة المدى للغزو غير مرضية تماما للكرملين. بدلا من إجبار جورجيا على العودة إلى الحظيرة الروسية، دفعت حقيقة الجغرافيا السياسية الجديدة جورجيا للتأكيد على استقلالها وسيادة أراضيها، وتمسك شعب جورجيا بالديموقراطية والاستقرار والازدهار بالتكامل الأوروبي - الأطلسي.
بالرغم من الضغوط الروسية المتصاعدة، وقعت جورجيا على اتفاقية ذات أبعاد سياسية وتجارية واسعة مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر، ومضت قُدُماً في الإصلاحات النهائية الضرورية لتلبية متطلبات الناتو من أجل مزيد من الاندماج. في 27 يونيو، ستوقع جورجيا اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، مما يجعل الاندماج مع أوروبا بلا رجعة. من الواضح الآن أن جورجيا قضية خاسرة بالنسبة لروسيا.
في الوقت الذي يفكر فيه الغرب في أفضل طريقة لحل الأزمة الأوكرانية، يجب أن يكون أحد سبل العمل واضحاً: جورجيا يجب أن يُسمح لها بأن تتقدم خطوة أخرى نحو العضوية الكاملة في حلف الناتو.
الأسباب الموجبة لهذا ذات شقين؛ بداية، تتوفر في جورجيا جميع المعايير المطلوبة للارتقاء في العضوية، حلف الناتو يعرف ذلك، وجورجيا تعرف ذلك، وكذلك روسيا وباقي دول المنطقة، عدم منح جورجيا طريقا واضحا نحو العضوية في اجتماع القمة الذي سيعقده حلف الناتو في كارديف في سبتمبر سيخيب أمل جورجيا. لكن النتائج التي ستستخلصها روسيا والدول الصغيرة الأخرى في المنطقة ستكون أكثر شدة. أي قرار من الناتو بالامتناع عن اتخاذ خطوة واضحة مع جورجيا سيُفسر في المنطقة على أنه مؤشر على انعدام الإجماع والعزيمة في الحلف، وعلى الضعف، وعلى أنه «ضوء أخضر» لروسيا لتستمر في عدوانها.
السعي لتعويض الامتناع عن استخدام القوة العسكرية لحلف الناتو بقوة ناعمة تتمثل باتفاقية سياسية وتجارية مع الاتحاد الأوروبي لن يشتت انتباه الروس. موسكو ستنتظر إشارة واضحة، بشكل أو بآخر، من القمة التي ستعقد في كارديف. ثمن أي موقف يمكن فهمه على أنه تردد، بالنسبة للغرب ولدول المنطقة، سيكون مرتفعا.
علاوة على ذلك، فإن منح جورجيا ترقية في علاقات الناتو يمثل فرصة فريدة للحلف ليعيد تأكيد وجوده في المنطقة، ويكسب مصداقية ويطور نموذجاً إيجابيا يتبعه الآخرون. ليس هناك أي حجم من الضغوط - ولا حتى الغزو والاحتلال فترة طويلة- يمكن أن يحرف جورجيا عن إصلاحاتها الديموقراطية والطريق إلى الاندماج الأوروبي - الأطلسي. هذه الإصلاحات جعلت جورجيا قصة نجاح في القوقاز. ومع ذلك فإن كثيرين في هذه المنطقة المضطربة لا يستطيعون أن يروا فوائد التحول إلى الديموقراطية والليبرالية. تقوية العلاقات مع جورجيا ستبعث إشارة واضحة للدول الأخرى في المنطقة بأن التقدم في طريق الديموقراطية وحقوق الإنسان سيلقى مكافأة من حلف الناتو والغرب.
لقد شهدت الأشهر الأخيرة أعلاماً سوفيتية فوق سيفاستوبول، وكانت الحشود تغني الأناشيد السوفيتية تحت تمثال فلاديمير لينين. في 2005، فلاديمير بوتين اشتكى من أن «تفكك الاتحاد السوفيتي كان أكبر مأساة في الجغرافيا السياسية في القرن العشرين». الشعب في جورجيا لا يوافق على هذه الرؤية. بالاشتراك مع حلفائه، شعب جورجيا مستعد لإظهار أن تلك الحقبة ماتت ودُفنت منذ زمن، وأنه بالرغم من بعض الانتكاسات الموقتة في أوكرانيا، فإن مستقبل المنطقة يبدو مختلفا تماما.