الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل التي انطلقت أمس في سوريا وسط استفهامات كثيرة حيال شرعيتها، في ظل الحرب الدائرة، تمثل بحق “انتخابات الدم” كما وصفتها المعارضة. وبهذه الخطوة يكون نظام بشار الأسد قد أغلق نهائيا باب الحل السياسي للأزمة المتصاعدة ولم يترك للثوار إلا خيار المواجهة المسلحة في الميدان. فالشاهد أن هذه الانتخابات المرتجلة تعني أن جولات التفاوض السابقة بين المعارضة والنظام في جنيف في فبراير الماضي، قد انهارت تماما حيث إن المحادثات كانت تستند أساسا إلى مبدأ تنحي الأسد وتشكيل حكومة انتقالية.
إن النظام وشبيحته يسوق العاملين بأجهزة الدولة عن طريق الترهيب إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم لإظهار أن الإقبال على عملية الانتخاب عمل جماهيري عفوي. ومما يدعو للعجب أن اللجنة العليا للانتخابات خصصت 64 مركزا انتخابيا في حي المزة وحده بدمشق رغم تأييد سكانه المطلق لرئيس النظام. وإذا كانت الديمقراطية تمنح الناس الفرصة للتشاور ولعب دور مهم في اختيار قادتهم إلا أن هذا الشرط لا يتوفر في حالة سوريا مع نزوح نحو نصف السكان بما في ذلك ملايين منتشرون خارج الحدود وفي مخيمات اللجوء بالداخل وفي دول الجوار.
المؤكد أن الثمن الباهظ الذي دفعه الثوار ودعاة التغيير مهرا للحرية لن يذهب سدى، فالعمل العسكري على الأرض سيتصاعد في حلب حيث تستمر حملة القصف الجوي التي يقوم بها النظام منذ أشهر، وفي أرياف دمشق وحماة وإدلب ودرعا، وفي كافة المدن والبلدات المنتفضة على القمع والفساد. صحيح أنه ربما يطول أمد النزاع قليلا ولكن المؤكد أن الانتخابات لن تغير المعطيات في بلاد الشام التي انعتقت وإلى الأبد من حكم الفرد.
خلاصة القول إن هذه الانتخابات تمثل بجلاء بعضا من الميراث الدموي لعائلة الأسد التي حكمت البلاد نحوا من أربعة عقود سامت فيها الشعب صنوفا من العذاب وألوانا من القهر. إن أبلغ وصف لانتخابات الرئاسة في سوريا هو ما قاله وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بأنها تمثل “مسرحية هزلية مأساوية”.