نشأ اللغوي الأمريكي الشهير «تشارلز بيرليتز» (صاحب كتاب مثلث برمودا) في بيت يتحدث سكانه خمس لغات! فوالدته لا تتحدث إلا الفرنسية، وأبوه يخاطبه بالإنجليزية، بينما يتكلم أحد أجداده الألمانية، وجده الآخر الإسبانية، أما الطباخ والبواب فكانا يستخدمان لغة ويلز القديمة! وهو كان يرى ببساطة أن الأشخاص المختلفين ينطقون لغات مختلفة!! وحالنا الآن في العالم العربي يشبه كثيرا حال بيت «بيرليتز»، فاللهجات العربية المختلفة تكاد تكون لغات منفصلة، وقد نصل ليوم يقف فيه الكويتي مع الجزائري وبينهما مترجم!
يوما ما سقط عيسى ابن عمرو الثقفي عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال: «ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي مرة؟ افرنقعوا عني». فظنه الناس يتحدث الفارسية. ومعنى جملته: «لماذا تتجمعون علي كتجمعكم على مجنون؟ ابتعدوا عني». والواقع أن هذا الموقف يتكرر معي اليوم، فحين أستمع إلى بعض اللهجات العربية لا أفهم منها أكثر مما أفهمه عندما أتابع إحدى حلقات أي مسلسل كوري. وقد حاول أجدادنا الأوائل إنقاذ الأمر بوضع علم النحو، وهو محاكاة العرب في طريقة كلامهم تجنبا للّحن. ونحتاج الآن لمحاولات إنقاذ أخرى. فأي لغة هي ظاهرة اجتماعية مرتبطة بمجتمعها تقدما وتأخرا. واللغة تميل إلى أحد أمرين: إما أن تنقسم (مثل اللغة الجرمانية)، وإما أن تتحد (مثل اللغة العربية)، المشكلة أن لغتنا تعود للطريق الأول بعد أن انتهت من الثاني!
في الوقت الحالي فإن للعربية الكثير من اللهجات العامية المختلفة، وهي بلا معاجم أو قواعد نحوية أو صرفية. كلمة واحدة مثل «لماذا» تُنطق بعدد كبير من الطرق (علاش، عليش، لاش، أعلاش، شوله، لاويش، ليش، لشو، لويش، ليه، لَمه). لدينا لهجات خليجية (سعودية، كويتية، بحرينية، عمانية، إماراتية، قطرية، عراقية). ولهجات مغاربية (تونسية، جزائرية، مغربية). ولهجات شامية (لبنانية، سورية، أردنية، فلسطينية). يضاف إلى هذا كله اللهجات المصرية والسودانية والليبية واليمنية والجيبوتية وغيرها. وبكل لهجة مما سبق عدد من اللهجات الفرعية مثل اللهجات السعودية النجدية والجنوبية والحجازية والشرقية. واللهجات العراقية البغدادية والبصراوية والأنبارية والتكريتية والموصليّة. والتصنيف المدقق أكثر تعقيدا وتشعبا مما سبق بكثير؛ فتصنيف اللهجة جغرافيا بالبلد أمر مخل ويُعد تجاوزا غير علمي، ومثال ذلك اللهجة اليمنية (تجمع اليمن مع الأجزاء الجنوبية من السعودية والأجزاء الغربية من عمان). واللهجة الليبية (تمتد من قابس جنوب تونس ووادي سوف شرق الجزائر وحتى تخوم مدينة الإسكندرية بشمال غرب مصر).
إذا استمر الحال هكذا فسوف نتحدث يوما بلغة العيون. فيقف العربي أمام أخيه ولسان حاله يغني كأم كلثوم قائلا: «قولي ولا تخبيش يا زين، إيش تقول العين للعين؟».. اعتصموا لغويا بحبل العربية الفصحى أو استعدوا من الآن بحفظ أغنية أم كلثوم.
"إيش تقول العين للعين؟"
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
