لي صديق لم أره من قبل، وهو ينتمي لشعب يختلف عن شعبي، ويتحدث لغة تختلف عن لغتي، ولكننا نجد الأفكار تتدفق بين عقلينا ونتفق في كثير منها ونختلف في كثير أيضا.
كتب ذات مرة عن رجل في قريتهم وُلد لأم لعوب وكان مجهول الأب، كان دميماً إلى حد ما، وفقيراً إلى حد كبير، و(غلبان) أيضاً إلى حد كبير، وطيب القلب وعطوفا ومبادرا إلى مساعدة كل أهل القرية، ولكنهم لم يكترثوا بكل صفاته الرائعة تلك واكترثوا فقط بمنظره الرث الدميم وبلاهته التي لم يكن له يد بها والتي لم تقلل من طيبة قلبه.. اكترثوا بما يثير سخريتهم وتندرهم به وبوالدته، لم يكن أحد يعامله على أنه أكثر من دابة مسخرة لخدمة الآخرين.
كبُر فيهم وبينهم ذلك الإنسان الذي كان يظن صديقي وهو طفل أنه حمار، لأن ذلك الرجل كان ينظف الحيوانات في مزرعة والد صديقي ويلازمها معظم الوقت وينام بالقرب منها. وكانت له أسنان بارزة تشبه أسنان الحمار، فظن صديقي وهو طفل أن ذلك (الإنسان ليس إنسانا)، إنما من نفس فصيلة الحمار الذي يعيش بالقرب منه.
وكبر صديقي وعرف أن ذلك الرجل إنسان وله قلب كبير يقابل إساءة من حوله بالتسامح والصبر، ولا يكترث كثيراً لماذا يسخرون منه أو يحتقرونه، لأنه ببساطة لا يجد في قلبه لهم إلا الحب. وعرف صديقي أيضاً أن ذلك الرجل الذي هو إنسان وليس حمارا أنه كان قادراً على أن يحب فتاة من فتيات القرية، عندها وجد صديقي أن اهتمام ذلك الرجل بمظهره قد تغير فجأة وأنه أصبح نظيفاً يحاول التأنق، ولكن أهل القرية أنكروا عليه حبه لتلك الفتاة وأمطروه سخرية وأقفلوا كل الأبواب دونه، فمثله لا يحب ولا يُحب ولا يحق له ذلك أبداً.
وكبر صديقي وكبر أكثر ذلك الرجل، فقد كان الفارق في العمر بينهما كبيرا، وانتقل صديقي لمدينة مجاورة لقريتهم ليعمل في إحدى الشركات، وعاد في إحدى المرات إلى قريته ليجد حمارا على الطريق مريضاً فقال لنفسه: سأساعده في طريقي للعودة إلى المدينة غداً، ولم يجد الحمار في طريق عودته فاعتقد أن غيره ساعده أو أنه قد مات.
وفي مرة أخرى عندما عاد ليزور القرية لم يجد ذلك الرجل حيث كان يجده دائماً! وعندما سأل عنه أخبروه أنه يرقد في داخل الحظيرة منذ فترة، وأن أحداً لا يستطيع الاقتراب منه، لأنهم لا يعرفون نوع مرضه وهو لا يجيد التعبير عما يشعر به من آلام. فذهب صديقي مسرعاً إلى الحظيرة وعندما دخلها وشم تلك الرائحة النتنة والمختلطة برائحة المرض عرف لماذا لا يريد أحد الدخول والمساعدة، (هذا بالإضافة بالطبع إلى أن ذلك الرجل لا يمثل شيئاً لأحد هناك).
دخل وحاول لأول مرة التحدث إلى الرجل فوجده غارقا في عرق بارد وحاله يدل على أنه يمر بمراحل قاسية من المرض حتى إنه عندما حاول الابتسام لصديقي لم يستطع وغرق في سعال لا يرحم.
حزن صديقي جداً لوضع ذلك الرجل، وخرج من الحظيرة مسرعاً متألماً وهو يقول لنفسه: سأحضر طبيباً غداً من المدينة ليراه وسأنقله إلى المستشفى، وعندما جاء الصباح عرف صديقي أن ذلك الرجل مات بعد أن غادر هو الحظيرة تلك الليلة.
وعاد صديقي إلى المدينة حيث يعمل وكان يفكر ويسأل نفسه: لماذا عندما قدم إلى القرية تلك المرة ورأى الحمار المريض الذي كان على الطريق ربط بينه وبين ذلك الرجل؟!
كتب صديقي عن الإنسان الذي يبدو كالدواب!
منى سالم باخشوين3 دقائق للقراءة

حجم الخط
