ينادي الكثير من أصحاب اللوثات العقلية بفساد الابتعاث وفساد أهدافه، ويقاومون بكل قوة هذا المشروع بالرغم أن الكثير منهم سبق ابتعاثه ونال أعلى الدرجات العلمية.

المتابع لهؤلاء يجد أن خطابهم غير ثابت ودائم التغيير، ويختلف خطابهم باختلاف الحدث السياسي أو القرار الرسمي، فمنهم من كان يحرض ويدعو للجهاد في سوريا، واليوم يقول إن ما يحدث فتنة وليس بجهاد، بمعنى آخر هم يعبثون بالدين وفق ما يتطابق مع مصالحهم، فما هي تلك المصالح؟

لعل أهم تلك المصالح الوضع الاجتماعي والنجومية الإعلامية والسلطة التي منحوها لأنفسهم، وبدون جمهور يؤيدهم فلن تكون لهم سلطة أو هالة إعلامية أو حتى وضع اجتماعي.

يرون أن وجودهم في المشهد الإعلامي ضرورة ملحة للحفاظ على جمهورهم وزيادته، وبالتالي الوصول للسلطة والقرار، والأمر الخطير في هذا الجانب هو الطريقة التي يحاولون الحفاظ بها على جمهورهم، فعندما تبدأ شمعتهم بالانطفاء يخلقون موضوعاً حساساً ويبثونه بكل الوسائل التي تحت أيديهم لجعله قضية رأي، بغض النظر عن أبعاد ما ينادون به، متكئين على تشريعات دينية قاموا بتحويرها لصالح خدمة منهجهم للبقاء على السطح.

في كل عصر من العصور نجد أمثال هؤلاء من المخربين والعابثين، وهذا ليس بجديد، ولكن تكمن الخطورة فيمن ينقاد وراء ما ينادون به عن جهل وعدم معرفة، وهم كثر، فعلى سبيل المثال عندما دعوا للجهاد في سوريا، كم من شاب في مقتبل العمر ذهب إلى هناك؟ وكم من أم ثكلى تبكي ابنها أو أبناءها؟ وكم من زوجة تنتظر عودة زوجها؟ وبعد كل هذا الهم الاجتماعي الذي كانوا السبب الرئيس فيه يقولون اليوم إن الجهاد في سوريا غير مبرر بعد اتضاح الصورة! وهذا دليل على أن هدفهم في الأساس ليس الجهاد، بل كان الحفاظ على صورتهم وجمهورهم وقيمتهم الاجتماعية وظهورهم عبرالإعلام، ولو كان هدفهم الجهاد لكانوا هم وأبناؤهم أول من ذهب إلى سوريا.

بعد القرارات الرسمية التي قننت هذه الإشكالات الفكرية الخطيرة لم يعد لهم مبرر في الظهور الساخن عبر الإعلام، ونجدهم اليوم يتخبطون بحثاً عما يعيد لهم البريق، بعضهم اليوم ينادي بأن الابتعاث فساد، لعلمه أن هذا الموضوع سيلهب الإعلام الجديد، وغالبية أبنائه مبتعثون، والبعض منهم يحاول جاهداً الالتفاف حول بعض السياسات الداخلية، والغالبية منهم بدؤوا فعلاً بفقد البريق.

الأمن الفكري للمجتمع أحد أهم روافد استقرار الشعوب وأخطرها إذا لم يؤخذ على محمل الجد، ووضع البرامج والتشريعات التي تحميه، وفي رأيي أن خطر الإرهاب الفكري أشد فتكاً من خطر المخدرات على الشعوب.
في ظل حرية الرأي الكل يستطيع أن يقول وجهة نظره، سواء كانت معتدلة أو متطرفة، والمطلوب هنا هو زيادة وعي الأجيال القادمة في التمييز بين ما يستقبلونه من الإعلام وغيره، وبناء العقلية السليمة في البيت والمدرسة، وهذا يحتاج إلى أن نقتنع نحن أولاً ونميز بين الغث والسمين.