من المفارقات التي يحياها الإنسان المعاصر في هذا الزمن أنّ التكنولوجيا قد وحّدت جميع اللغات في لغة واحدة هي اللغة الرقميّة أو لغة الحاسوب، التي باتت لغة عالميّة تختزن كلّ المعلومات المرئيّة والمسموعة، الثابتة منها والمتحركة على السواء، بوساطة نظام ترميزي بالغ السهولة والبساطة وخال من كلّ تعقيد، إنّه نظام الديجتال أو النظام الرقمي الثنائي القائم على حرفين اثنين يختزلان كلّ حروف الأبجديّات القديمة العديدة، أو قل القائم على رقمين اثنين حسب، هما واحد وصفر، أو بالرمز الرياضي (1 و0) أو هما بالمفهوم الكهربائيّ أو الالكتروني مفتوح ومغلق (on و off) أو هما بالمفهوم الفلسفي وجود وعدم.
فجميع المدخلات التي يسعى الإنسان المعاصر لإيداعها وتخزينها في الذاكرة الكليّة لأجهزة الحاسوب المختلفة والهواتف الذكيّة وأقراص التخزين والنقل والتواصل بأنواعها، إنّما تتوحّد في نظام ثنائي يقوم على استثمار تبدّلات الرقمين المذكورين وتكراراتهما اللانهائيّة، وما على الأجهزة الحاسوبيّة إلاّ أن تعيد قراءتها وقت الحاجة باللغات الحاسوبيّة العديدة لتعود ماثلة أمامنا على الشاشات صورًا وأصواتًا وحركاتٍ وحروفَ لغات تقليديّة قديمة مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة.
لذلك قلنا من قبل إنّ الكتابة أو ثورة الأبجديّة الأولى كانت ثورة معلوماتيّة لا تقلّ أهميّة عن الثورة المعلوماتيّة الحديثة ثورة الديجتال أو الأبجدية الجديدة؛ لأنّها قدّمت للإنسانيّة طريقة جديدة ومختصرة وقابلة للتوثيق والتداول لكلّ كلامه المنطوق، ولهذا نجد أنّ معظم لغات العالم تشابهت في نظام الحروف الأبجديّة لفظًا ورمزًا، حتّى بشّرت بنوع من العولمة ضمن ظروف تاريخيّة ما. وها هي الثورة الحديثة تقرّب الإنسان من الإنسان، وتختصر الأبجديّات كلّ الأبجديّات في أبجديّة عالميّة واحدة مكوّنة من حرفين أو رقمين اثنين لا تزيد قيمتهما الفعليّة عن قيمة الرقم واحد (1) الذي يعني الوجود في مقابل صفر (0) الذي يعني العدم، فهل اكتشف الإنسان وحدة هذا الكون الوجوديّة على الرغم من تعدّده الثريّ والهائل والعجيب؟!
ثورة الديجتال.. أبجدية جديدة بحرفين
جمال مقابلة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
