لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين كيف اختير هذا (الشاب) وزيرا للصناعة، وقد جرت العادات والأعراف بألا تُسند الوزارات (للصغار) الذين لم يستهلوا بعد العقد السابع من أعمارهم.
حتى الصحف التي نشرت خبر تعيينه، لم تفلح في إخفاء دهشتها، أولا لأنه سيكون أصغر وزراء الحكومة سنا، وثانيا لأنه عائد لتوه من كوريا الجنوبية حيث حصل على الدكتوراه في علم اسمه (السبرنطيقا) ليصبح أول عربي يتخصص في ذلك العلم، وقد لجأ محرر الخبر للويكيبيديا لتعريف السبرنطيقا فأفادته بأنه علم التحكم المتقدم في الأنظمة!
دهشة تصاعدت لتصير غضبا مريرا، في أوساط (النخبة) من كبار وكلاء الوزارة، الذين رأوا في الوزير الجديد لصا، اغتصب أقدمياتهم، التي كان ينبغي لها وحدها أن تؤهل واحدا منهم للوزارة بدلا عنه.
تنوعت التكهنات بشأن تعيين الوزير (الشاب)، وأكثرها تحدث عن التباس وقع في قرار التعيين، خلط ما بين اسمين متشابهين، أحدهما -وهو المرشح الحقيقي- وكيل وزارة وقور على أعتاب السبعين المؤهلة للوزارة، والآخر هو صاحبنا (الطفل)!
وقبل أن يدخل مقر وزارته للمرة الأولى، سهر الليالي الطوال مفكرا في حال الصناعة في بلاده، راصدا مشاكلها الكثيرة، كنقص الابتكارية والاعتماد على المهندس الأجنبي وقلة كفاءة العامل الوطني والعجز عن المنافسة إلا في السوق المحلية والغياب الفادح للطموح.
وأجرى اتصالات هاتفية مكثفة بكبار الخبراء الصناعيين في العالم، سائلا النصح والتوجيه، لرسم مخطط متكامل لإعادة بناء المنظومة الصناعية في وطنه لتصبح بتقدمها التكنولوجي وابتكاريتها الفائقة القاطرة التي تجر المجتمع كله خارج مستنقع العالم الثالث..
واضعا نصب عينيه ثلاثة أهداف رئيسية للتطوير الجديد الذي يزمع إطلاقه على مراحل:
- الصناعة المتقدمة تحتاج مواطنا متقدما ولذا فإن التعاون مع وزارة التعليم في غاية الأهمية، لتكوين عامل فني ماهر ومهندس مخطط مبدع..
- قيمة الصناعة في بلد نام لا تقاس فقط باستنساخ المنتجات العالمية، بل تقاس بالنجاح في توطين التكنولوجيا وبابتكار منتجات جديدة، وبالقدرة على التنافس في السوق العالمية.
- لا بد للدولة من تقديم الدعم للصناعات التكنولوجية والابتكارية في مراحلها الأولى على الأقل.
اكتمال الملامح العامة للمشروع الثوري لتطوير الصناعة بين يدي الوزير الجديد، خفف عنه عناء عمله المضني، وجعله يشعر بأنه قادر على دفع وطنه للأمام خطوة إثر خطوة، مما ملأ جوانحه بالغبطة، فخرج متوجا بالعزم والأمل إلى مقر وزارته في يوم عمله الأول وزيرا للصناعة.
ولم يكدره إطلاقا أن السيارة الرسمية لم تكن تنتظره كما توقع، بل لقد شعر بأن هذا التقليد زائد عن الحاجة، وينبغي تغييره ترشيدا للنفقات، وقرر أن يستقل سيارته الخاصة يوميا وباستمرار طوال مدة عمله كوزير..
وصل صديقنا لمبنى الوزارة، فاعترضه الحرس على بوابتها، فأبلغهم بتواضع أنه الوزير الجديد.. مما أصابهم بالارتباك، الذي حسمه كبيرهم بأن قرر مرافقته إلى داخل المبنى (لتسليمه) لأحد سكرتارية الوزير..
رحب به السكرتير وإن عجز عن إخفاء ما يشعر به من حرج، وطلب منه بأدب الانتظار في غرفة صغيرة ملحقة بمكتب الوزير، ولم ينصت لاعتراضه الخجول بأنه هو نفسه شخصيا الوزير الجديد، ويريد دخول مكتبه..
انجلى الموقف الغامض خلال دقائق، فقد قامت الجهات العليا بتصحيح الالتباس، ووكيل الوزارة السبعيني الوقور (المرشح الأصلي الذي يتشابه اسمه مع اسم صاحبنا) يجلس بالفعل منذ الصباح الباكر في مكتبه، وزيرا جديدا للصناعة، وهو الآن مجتمع بوكلاء الوزارة ليطالبهم ببذل المزيد من الجهد لإبقاء الوضع الصناعي في الوطن على ما هو عليه من ازدهار!
كان الوزير العجوز كريم الخلق فخرج بنفسه ليزيل آثار الحرج عن الشاب الذي تصور نفسه وزيرا، ربت على كتفه بمودة أبوية وقال له بحنو:
- لا تحزن يا ولدي، العمر أمامك ممتد، وستنال فرصتك حينما تحنكك السنون مثلما حنكتنا، عُد إلى بيتك الآن...الله معك!
تطايرت الهمسات الساخرة من حوله وهو يجرجر رجليه خارجا من ديوان الوزارة، لم يستطع أن يميز منها إلا مفردة واحدة، تتفجر بعد النطق المتعثر بها الضحكات المكتومة؛ سبرنطيقا، سبرنطيقا!