المتابع للحياة الاجتماعية المحلية يدرك تماماً أن واقعنا الاجتماعي أصبح محفوفاً بكثير من وسائل الهرب - بصفته مفهوما محايداً لا سلبياً- السهل منها والصعب.
السهل أصبح يتمثّل بمقدار علاقتنا بالأجهزة الذكية، ومواقع التواصل الاجتماعي، أي دخولنا نمطاً اجتماعياً جديداً لم يعد بإمكاننا أمامه إلا البحث عن أدوات تفسّر وتفهم وتحاول تقريب شكل هذه العلاقات مستقبلاً.
مدى السهولة يكمن في أن الأدوات أصبحت بمتناول اليد، وبين كل الشرائح العمرية، ولو سأل أي منا: إلى أين سيؤدي بنا هذا النمط؟ فلن نجد إجابة إلا لدى بعض المتخصصين والمهتمين في علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس.
أغلب الدراسات التي تمت في هذا الحقل في العالم العربي تنطلق من منطلقين؛ اجتماعي وديني، ومعظم النتائج كانت تأخذ المنحى السلبي لتأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي على علاقة الفرد بالأسرة، ونشوء علاقات قد تصل في مرحلة من مراحلها إلى الخلل الأخلاقي.
أما معظم أسباب استخدام مواقع التواصل الاجتماعي فيركز على سهولة الاستخدام والتعبير بحرية عن الأفكار والآراء، أما الإيجابيات فتركزت على تعزيز صداقات جديدة والانفتاح الفكري والثقافي.
أما الدراسات المحلية فأهم توصياتها عقد دورات لتوعية الفتيات على حسن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
بالنظر إلى ملخص المقالات والدراسات حول هذه العلاقة، نجد أننا أمام حالة اصطدام بين اتجاهين يمثّل أحدهما ضرورة الاستفادة من ثورة الاتصالات معرفياً واجتماعيا، ويمثل الآخر تحديد وتأطير هذه العلاقة بالمعنى الأخلاقي والديني والاجتماعي أيضاً (التأثير الأسري السلبي في شكل العلاقات).
في المجتمعات الغربية أيضاً يلخص مورين هندسون هذه المسألة في أن أكثر ثلاثة أسباب للتخلي عن مواقع التواصل الاجتماعي تمثّل “ضرر الاحترام للذات، وأسبابا صحية مثل ارتفاع ضغط الدم، وأنها ليست بديلا للتواصل الحقيقي” وفي الثالثة يشير هندسون إلى أن “ما يقارب 40% من الأمريكيين يفوتون العديد من لحظات حياتهم المهمة وهم منشغلون في توثيقها وتسجيلها عبر العديد من التطبيقات الاجتماعية، ويشير الواقع إلى أن 90% من الأفراد يلجؤون فقط إلى الانترنت أثناء سعيهم في البحث عن عمل، بينما تشير الحقيقة إلى أن 70% من فرص العمل لا يتم تسويقها عبر الانترنت من الأساس”.
يوجد فيلم قصير تم إنتاجه مؤخراً يتناول تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في ضياع فرص الحياة الحقيقية تحت عنوان (انظر للأعلى) على الرابط: http://www.youtube.com/watch?v=Z7dLU6fk9QY
المقارنة بين ما يتم طرحه عبر الدراسات والمقالات ووسائل التواصل البصرية، تختلف في معظمها بين الدراسات الغربية والإنتاج الغربي، والمجتمعات العربية، ونقطة الالتقاء التي يمكن أن تتكرر هي حول التأثيرات السلبية التي تتركز في البعد الاجتماعي.
أما على مستوى القيم والمبادئ (الاعتقاد الديني والبعد الأخلاقي) فالاختلافات جذرية.
بالطبع لا أحد ينكر أن عالمنا العربي والإسلامي يتحفظ حتى سياسياً على توجهات بعض الأفراد لاستخدام هذه المواقع عبر أسماء مستخدمين وهمية أو حقيقية للدفاع عن حقوق الإنسان والطروحات أو التعليقات المتعلقة بالمطالبات بالإصلاح السياسي والديموقراطية (أصدرت بعض الدول تنظيما خاصا بالنشر الالكتروني والمشاركات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للحدّ من الانتقادات الواسعة للأنظمة والاستفادة من شيوع وتأثير هذه المواقع، كما أثبتت دراسات مدى تأثير هذه المواقع في بعض الدول التي شهدت تغييرات في أنظمتها السياسية عبر ثورات الربيع العربي).
الكثير من الأسئلة يثيرها واقعنا الجديد المعبّر عنه بكل حرية، ومدى تأثير هذه المواقع ومستقبلها ومستقبل المجتمعات العربية ومستقبل البشرية مع كل هذه الثورات في عالم التواصل الاجتماعي المفتوح بكل المقاييس والعصي على الرقابة والسيطرة مهما اختلفت القيم بين مجتمعين بينهما كل هذه الفوارق.
فهل يمكن أن نشهد دراسات توضح لنا: أين نقع مستقبلاً، وما ستؤول إليه البشرية؟
هذا الاختصار للعالم ووضعه داخل بالون، هل يبدو منظماً، علمياً وسياسياً؟ أم إن الأنظمة القادرة على صياغة العالم ضحية، تستغل ما أمكنها ذلك، التجارة الالكترونية وتحولاتها وما تنتجه الشركات المتنافسة لبلع أكبر حصّة من البشر؟
أما الهرب الصعب فيبدو الآن بعد كل هذا، حلاً للعودة إلى طبيعتنا الأولى، إنه الهرب من المناخ ومن القسوة بكل أشكالها.