مفاهيم كثيرة تغيرت في حياة الإنسان الأوروبي قبل أن يتحول مجتمعه من مجتمع يعيش تحت وطأة التخلف والاستبداد والقمع الفكري والسياسي إلى مجتمع يقدم الأفكار للبشرية وينعم بأنظمة سياسية ذات أساس ديمقراطي متين ويحظى بحرية أصيلة على مستوى الفكر والتعبير عن الرأي والممارسة السياسية بشكل عام.
لعل أبرز المفاهيم التي تغيرت قبل التحول الديمقراطي في أوروبا فكرة الحق في ممارسة العمل السياسي، فقبل الثورة الفرنسية بحوالي مئتي سنة بدأ الحفر حول نظرية الحق الإلهي التي تجعل الكنيسة وحلفاءها الملوك يحتكرون السياسة والسيادة والمال والأرض ورقاب البشر وكل شيء. برز في عمليات الحفر في تلك الحقبة فلاسفة أمثال هوبز واسبينوزا، بعدها استمرت عمليات الحفر حتى وصلت لأوجها في تلك الفترة التي برز فيها فولتير وجان جاك روسو، بالتالي أصبحت نظرية الحق الإلهي مجرد فكرة مضحكة ومثيرة للسخرية كما عبر عن ذلك الفيلسوف هيوم. واعتبرت نظرية العقد الاجتماعي هي أحد أهم وأبرز إرهاصات النظرية السياسية الحديثة. هذا أبرز ما يتم الحديث عنه عندما يأتي الحديث إلى التحول الديمقراطي في أوروبا.
لكن ماذا عن الأشياء الأخرى التي أسهمت بشكل مباشر في هذا التحول الكبير؟! والذي لم يكن تحولا للمجتمعات الأوروبية وحدها وحسب؛ بل كان تحولا بشريا هائلا، ما زال الإنسان يعيش على وقعه في هذا الكوكب. يذكر المؤرخ ويل ديوراينت أن الإصلاح الديني البروتستانتي الذي اجتاح أوروبا لم يكن ليحدث لولا ظهور فساد الكنيسة وصراع الكرادلة على المناصب وانغماسهم في عمليات الرشاوى مع أمراء الإقطاع. وهذا بلا شك يعد أحد أبرز إرهاصات العلمانية، تلك المرجعية الفكرية التي أجمعت عليها المجتمعات الأوروبية. لذا تعتبر مرحلة الإصلاح الديني إحدى أهم مراحل التحول التي مرت على المجتمعات الأوروبية، وهي التي بالطبع قادت للحديث حول فكرة الحق الإلهي ومن يمتلك الشرعية لمنحها للحاكم. تعد أيضا الثورة الصناعية أحد أهم إرهاصات التحول الديمقراطي والتحول من حياة الإقطاع والريع إلى الحياة في مجتمع صناعي نشأت فيه طبقات اجتماعية جديدة، وقد أشار ماركس إلى ذلك بقوله: «الإصلاح الاقتصادي يقود بالضرورة إلى إصلاح سياسي». وقبل تلك الثورة الصناعية تبلور عصر النهضة الذي نشطت فيه الحركة الثقافية والفكرية وأصبح أحد أبرز العصور الذي قادت لعصر التنوير. وهو العصر الذي أشار إليه الصديق الكاتب عبدالعزيز الحيص في مقاله «الجثث الثقيلة» والذي نشر بصحيفة العربي الجديد حيث أشار إلى أهمية مفهوم الذائقة ورقيها وتأثير ذلك على نمو المجتمع فذكر أن فونتنيل، مؤرخ عصر النهضة، قال: «عندما ابتدأت العلوم والصناعات، تولد من جديد في أوروبا بعد فترة همجية طويلة، كانت الفصاحة والشعر والرسم وفن العمارة قد سبقتها. فكانت أول من خرج من الظلمات، وأما العلوم الرياضية والفيزيائية، فلم تنهض إلا بعد قرن من نهوض الآداب والفنون». وفي سياق آخر تحدثت مع الصديق عبدالعزيز الحيص في موضوع مشابه، وذكرت له مقولة إفلاطون: «عندما تتغير أساليب الموسيقى تتغير معها القوانين الأساسية في الدولة»! فقال: إذن نستنتج أن الإيقاع البطيء والاسترخاء في «العرضة» بالرغم من كونها رقصة حرب، يعكس النمط الريعي المعتمد على النفط في بلدان الخليج العربي»!
نعود لأوروبا، ففي خضم تلك التحولات الدينية والفكرية والثقافية والاقتصادية طرأ التحول الاجتماعي كإحدى أهم نتائج تلك التحولات. فتحللت العصب الدينية والاجتماعية على حد سواء وذابت الفوارق بين الناس، واندثر على سبيل المثال زواج الأقارب في إنجلترا قبل ستمئة سنة من الآن، وظهرت الدولة الوطنية كمفهوم حديث، وأصبح الرابط الفكري والسياسي الحزبي أقوى من الرابط الاجتماعي، فأصبح المجتمع مجتمعا مدنيا بامتياز. ولم يعد ثمة عائق بين المجتمع وحقوقه السياسية.
مفاهيم يجب أن تتغير
فايد العليوي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
