ظل الحديث حول المرحلة العثمانية التي أقامت إمبراطورية شملت احتلالها لمعظم البلدان العربية قائماً، ولم تحسم إشكالياته وتبعاته في كلا الجانبين التركي والعربي بعد، على الرغم من بعض الجهود التي حصلت في العقد الماضي، ونتج عنها لقاءات عديدة بين مسؤولين حكوميين، ودراسات مستقلة من الطرفين حاولت أن تواجه تلك المرحلة بسلبياتها وإيجابياتها. ولا نستطيع القول إن الشخصية العربية لديها أزمة حقيقية تصل إلى حد الكراهية والعداوة بسبب الجرح العميق من تلك المرحلة. لكني أتساءل عن الطرف الآخر: هل هناك بعض من الكراهية من قبل الأتراك للعرب بسبب ما يتهمون به من أنهم تحالفوا مع الغرب لإسقاط إمبراطوريتهم؟
هذا التساؤل بدأ يتسلل إلى ذهني عندما سمعت إحدى المشارِكات في ورشة العمل المغلقة التي نظمها مركز الإمارات للسياسات في أبوظبي حول «تركيا: مستقبل النموذج والدور» حيث تقول السيدة التركية وهي التي تدير أحد المراكز البحثية في أنقرة «كنا نُدرس ونُلقن في مدارسنا أن العرب هم عدونا الأول» وتضيف وهي متحسرة «لكن اكتشفت أن هذا غير صحيح، نحن نشترك مع العرب في أمور كثيرة منها الديانة وشيء لا بأس به من الثقافة المشتركة». من هنا بدأت أعود إلى نفسي وأتساءل: هل أحمل في ذاكرتي بعضا من هذا التحريض (ضد الأتراك)؟
في الحقيقة لا يوجد على الإطلاق، على الرغم من أن والد جدي (رحمه الله) تم دَس جسمه كاملاً، عدا رأسه، تحت التراب من قبل الأتراك إبان طغيان الدولة العثمانية. مكث في هذا الوضع قرابة خمسة أيام حتى أنقذه القدر بمرور إحدى القوافل الذاهبة إلى الحجاز. كان ذلك بسبب مقاومته هو ومجموعة من الرجال للذود عن قريتهم وقليل من محاصيلهم الزراعية. بالتأكيد هناك الكثير من القرى في المنطقة تعرضت إلى الظلم والتهجير والقتل في عهد تمدد الدولة العثمانية. لكن ومع ذلك ظلت أحداثا تاريخية من الماضي ولم تعد تشكل هماً بالنسبة إلينا ولم يتم تلقيننا ضرورة كراهية الأتراك، لا في مدارسنا ولا في بيوتنا. بل إننا في السعودية نحتضن أكبر عمالة تركية في العالم العربي وتتم معاملتهم بكل ود رغم التعالي المعروف في الشخصية التركية.
ما أثار استغرابي هو أنني عندما غردت على حسابي في تويتر بما قالت به السيدة «التركية» تعرضت على إثر نقلي لكلامها لكمٍ هائلٍ من الشتائمِ والسباب من قبل بعض «الحسابات السعودية!». كتاباتهم لي كانت تصر على حتمية معاداتي لحزب «العدالة والتنمية» وأنني ناقم على دور الحكومة التركية النبيل تجاه أحداث الربيع العربي!. فقلت في نفسي لا تقلق أيها الشعب «التركي» فهناك محبون لكم إلى حد الثمالة ومرحبون بكم وبدوركم في المنطقة من جديد.
لقد حاولت تركيا خلال العقد الماضي تنفيذ سياسة ما يسمى بـ«القوة الناعمة» لغزو العرب، وقد بدأ هذا المشروع من خلال «المسلسلات التركية» حتى تُغرم العائلة العربية بتفاصيل الحياة التركية، وأزعم أنهم نجحوا في ذلك والدليل كثرة عدد السياح العرب، وخاصة الخليجيين. أيضاً نظرية «صفر المشكلات» التي انتهجتها السياسة التركية لتكون أساسا لدبلوماسيتها وعلاقاتها مع دول الجوار الجغرافي والتي قوبلت بترحيب شديد من قبل هذه الدول. لكن ومع أحداث الربيع العربي انتقلت «السياسة الناعمة» إلى «سياسة خشنة» وبدأت تركيا تنطلق من قناعة مفادها ضرورة المشاركة في عملية السيطرة على المناطق المتفجرة والحصول على جزء من المغانم أفضل من الوقوف في مقاعد المتفرجين، والتي كشفت نزعة السيطرة التركية الممزوجة بعوامل التاريخ والدور والسياسة والمصالح والتطلعات.
"أعداؤنا هم العرب"
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
