قدم مقال نشره أهم المواقع الجيو- سياسية الشهيرة للأخبار العسكرية في أمريكا »DefenseNews«، رؤية مغايرة - ولكنها تتنامى الآن داخل الولايات المتحدة - حول ضرورة تجديد الاستراتيجية القومية الأمريكية لكي تصبح أكثر ديناميكية وإيجابية في مجابهة التحديات والمخاطر الجديدة في العالم.
ولعل العنوان الذي تخيره نائب رئيس المجلس الأطلنطي ومدير مركز سكوكروفت برنت للأمن الدولي باري بافيل يلخص الوضع الراهن الذي يعيشه العالم في مطلع الألفية الثالثة، حيث تتعرض «الدولة القومية» لحالة من «التغير المستمر يطلق عليها» بافيل: Westphalian – Plus، أي ما هو أكثر أو (زائد) عن اتفاقية ويستفاليا 1648 في القرن السابع عشر، والتي تحددت بموجبها فكرة «السيادة» الوطنية في النظام الدولي التقليدي.
لقد أصبحت هناك مجموعات جديدة من الجهات الفاعلة على المسرح العالمي: الأفراد، الاحتجاجات الشعبية التي أشعلت الشرق الأوسط منذ 2011، وهي تنتشر في جميع أنحاء العالم وإن كان بأشكال متباينة، وتصل إلى أماكن بعيدة مثل فنزويلا وتايلاند وغيرها من الدول في أقصى الشرق والغرب على السواء.

الدولة القومية

والمشكلة أن معظم النقاد والمسؤولين في الحكومة الأمريكية ما يزالون يرون أن نظام «الدولة القومية» الذي تأسس في 1648 بموجب معاهدة ويستفاليا، ما يزال فاعلا أبدا، وهذا خطأ كبير، لأننا الآن في صدد حقبة جديدة تتآكل فيها مقومات «الدولة القومية» على الساحة العالمية، حيث أصبح الأفراد والجماعات وغيرهم قادرين على تعطيل النظام الدولي التقليدي الذي يعتمد على الدولة القومية كوحدة سياسية مركزية داخل هذا النظام.
ناهيك عن أن هذه الجماعات والجهات نفسها هي التي قادت التغيير العالمي والإقليمي الحاسم والقادر اليوم على النمو بإطراد.
نحن الآن في مرحلة يمكن تسميتها: ما هو أكثر أو زائد ويستفاليا (Westphalian – Plus).
إذا لم تبدأ الولايات المتحدة في التعرف على هذا الواقع العالمي الجديد، ومن ثم تغيير استراتيجيتها وفقا لذلك الواقع المتجدد فإن المخاطر التي نراها تنتشر وتتمدد في جميع أنحاء العالم ستصبح أخطر بكثير مما هي عليه الآن، حتى على أمريكا نفسها.

ثورات مستمرة

فمنذ الحرب العالمية الثانية، أكدت الولايات المتحدة أن الهدف الرئيس من الاستراتيجية القومية الأمريكية يتمثل في تحقيق «الاستقرار» في المناطق الرئيسة للعالم، وكان ذلك مناسبا جدا لمعظم فترات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن يبدو أن التغييرات المتسارعة التي تتم الآن على قدم وساق بالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية في العديد من مناطق العالم، ومعظمها تسعى إلى تحقيق الكرامة والحصول على الحريات والحقوق وفرص مناسبة للعمل، تؤكد للجميع وبما لا يدع مجالا للشك أن «الثورات مستمرة» إلى أجل غير مسمى، وهي بالفعل ستظل كذلك!

طباعة الأعضاء

في الوقت نفسه لدينا ثورات - من نوع آخر - في الولايات المتحدة: ثورة الطاقة المتمثلة في الغاز الصخري الزيتي الذي تم اكتشافه وتحديد مواقعه بدقة، حيث سيصبح المورد الرئيس للطاقة للعالم في المستقبل.
ناهيك عن مجموعة واسعة من التكنولوجيات المتقدمة مثل التكنولوجيا الحيوية والطباعة ثلاثية الأبعاد 3D، وهي ثورة كبرى في حد ذاتها ستغير وتطور جميع مناحي حياتنا، إذ إن تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد والرباعية قريبا، سيتم استخدامها مع «الروبوت الحيوي» لحشو جسم الإنسان بأعضاء مطورة من الكلى والقلوب والعظام، وبدلا من الحبر المستخدم في الطباعة ثلاية الأبعاد سيتم تزويد الروبوت الحيوي بخلايا طبيعية من الشخص المطلوب إنتاج قطع غيار آدمية له.

إزالة الحواجز

بدلا من السعي للاستقرار ينبغي على حكومة الولايات المتحدة أن تستفيد من التغيرات العالمية الجارية لمصالحها الوطنية.
على الولايات المتحدة أن تدعم أولئك الذين يسعون إلى الكرامة وسيادة القانون وليس تجاهلهم.
ينبغي إزالة جميع الحواجز وبشكل مكثف لتصدير خيرات الطاقة الجديدة.
وينبغي العمل مع القطاع الخاص على أساس تسخير التكنولوجيا المتطورة التي يتم استخدامها اليوم من أجل التنمية المستدامة، وليس لإلغاء المسافات بين وادي السيلكون وواشنطن (وادي السيليكون رمز التكنولوجيات الجديدة، وواشنطن عاصمة القرار السياسي - العسكري)!باختصار؛ تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة التوازن إلى حد كبير في استراتيجيتها القومية حتى تجمع بين ثبات الاستقرار والتغيير الديناميكي.
على سبيل المثال فإن حركات الاحتجاج الشعبي في الشرق الأوسط وفنزويلا وغيرهما، كانت بسبب الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجماهيري، فقد أصبح أي شخص في أي مكان يستطيع أن يرى ما يحدث في أي مكان آخر، وهذا «الوعي» هو الذي جعل الناس ترى بعضها بعضا وتسعى لتقليد ومحاكاة بعضها بعضا، بل وتطلب ما ليس عندها، لا سيما: الكرامة والحرية وسيادة القانون والازدهار، كما هو موجود وقائم في العالم الأول.
الناس اليوم يستطيعون تنظيم أنفسهم أكثر مما كان عليه الحال في الماضي، للمطالبة بهذه الحقوق وغيرها من حكوماتهم غير القادرة أصلا على تلبية هذه الحقوق والمطالب، وهذا يزيد الأمور سوءا بالنسبة للحكام في مناطق كثيرة من العالم.

5 أثمان العالم

بحلول 2030 سيحدث - للمرة الأولى في التاريخ - أن خمسة أثمان سكان الكرة الأرضية ينضمون للطبقة الوسطى.
وهذا يعني أن الغالبية في العالم ستطمح وتطلب هذه الموارد والتكنولوجيات الجديدة التي في أمريكا والغرب عموما، وهو ما سيخلق مزيدا من التوترات الجديدة بين الحكام والمحكومين، ويعجّل من عملية تآكل سلطة الدولة.
نحن أمام متغير جديد في الحقبة المقبلة، وهو أن الأفراد سيحصلون على الاستقلالية أكثر من سلطة الجموع الشعوب، وقدرات متميزة ومتعددة أكثر، لذلك عند التفكير في عالمنا اليوم من منظور استراتيجي أمريكي للاستقرار الإقليمي كما كان الحال في السابق، يصبح من الواضح أن هذه الاستراتيجية لم تعد صالحة للاستخدام، واشنطن بحاجة إلي إطار ديناميكي للتعامل مع العالم المتغير والمتحول.
المشهد العالمي (زائد - ويستفاليا) أو بالإضافة إلى ويستفاليا، يوفر فرصا هائلة لتعزيز الازدهار والأمن الأمريكي إذا أردنا رصد أهم التغيرات التي تجري حاليا، ووضع تصور وخطة شاملة وممنهجة لتعزيز الفرص واقتناصها ومواجهة التحديات بشكل علمي يعيد تنظيم الموارد والجهود داخل المؤسسات الأمريكية المختلفة حتى تستطيع القيام بذلك الدور المنوط بها، وباستحقاقات المستقبل.
هذه الاستراتيجية القومية الجديدة نطلق عليها «استراتيجية ديناميكية» وتتطلب نشاطا ومرونة في القيادة الأمريكية للعالم أكثر مما شاهدناه منذ نهاية الحرب الباردة وحتى الآن، إن الاستمرار في عملية ضبط النفس وعدم التدخل في الصراعات التي تشتعل حولنا، سواء في الشرق أو في جنوب شرق آسيا، سيزيد من مخاطر هذه الاضطرابات داخل تلك الدول، فضلا عن انعدام الأمن من جديد داخل الولايات المتحدة نفسها.
الولايات المتحدة لديها فرصة للقيادة في هذا العصر العالمي الجديد، إذا لم تتكمن هذه المخاطر المتصاعدة والتحديات المتزايدة من السيطرة علينا!