لا يتطلب الأمر أكثر من مشاهدة قناة الأخبار الأمريكية CNN لمدة ربع ساعة تقريبا، حتى يعرف المرء كيف يسيطر الخوف على جوانب كثيرة من حياة الشعب الأمريكي وأحاديثهم اليومية، ولكن هل كان الأمر دائما على هذا النحو؟ هذا ما يناقشه كتاب »الذعر الأمريكي« للمؤلف مارك ستين بطريقة تحليلية ونقدية بارعة.
يبدأ الشعور بالذعر بين الشعوب بإحدى طريقتين: إما من الأعلى إلى الأسفل، أو من الأسفل إلى الأعلى.
أحد الأمثلة على انتشار الذعر من الأعلى إلى الأسفل، ما حدث في القرن الثامن عشر والذعر الذي انتاب المجتمع الأمريكي بسبب الحركة الماسونية، ذلك الذعر بدأ في الإعلام ومن ثم انتشر بين الناس.
وكمثال على انتشار الذعر من الأسفل إلى الأعلى، يمكن الإشارة إلى حالة الذعر التي انتشرت في القرن التاسع عشر حول قدرة عمال سكك الحديد الصينيين، الذين وصل عددهم إلى 15 ألفا، وكانوا يتقاضون أجورا منخفضة، على إنجاز المهمة المنوطة بهم، والتي ثبت فيما بعد أنهم كانوا أكثر من مؤهلين لإنجازها.
في 1870، رشح توماس موني نفسه لانتخابات حاكم كاليفورنيا، وكان أحد أهم بنود برنامجه الانتخابي هو، بحسب ما وصفته إحدى الصحف في ذلك الوقت، خطة من أجل «القضاء على العرق المنغولي».
بعد عام تقريبا، هاجم 500 شخص من العنصريين البيض لوس أنجلوس، فأحرقوا المباني وقتلوا 19 شخصا دون محاكمة.
في 1876، بعد أن هاجمت مجموعة أخرى من الغوغاء العنصريين الجالية الصينية في أنتيوك، كاليفورنيا، نشرت صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل افتتاحية أكد فيها الكاتب أن الهجوم يجب أن «يلقى الموافقة القلبية من جميع الرجال والنساء والأطفال على شاطئ المحيط الهادئ».
ويقول مارك ستين، مؤلف كتاب «الذعر الأمريكي»، إن هذه الهجمات العنصرية كانت تشكل ما هو أكثر من جريمة أو تخريب أو حتى تطهير عرقي ـ بحسب رأي الكاتب ـ كانت تلك الهجمات شكلا من أشكال الذعر السياسي، ظاهرة يمكن القول أنها كانت تعبيرا عن «الخوف غير العقلاني من أن الحكومة التي تدير البلد في خطر».
جواسيس بالذعر
كتاب «الذعر الأمريكي» هو عبارة عن جولة معرفية في معظم تشنجات الخوف التي اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية لفترات طويلة، ويفهرس التهديدات المزعومة التي امتدت من الماسونيين إلى المدافعين عن حقوق المرأة، ومن الفاتيكان إلى الشريعة الإسلامية.
ويقدم الكاتب تعريفا لما يعنيه بالذعر ويشرح ما تعنيه فترات الذعر التي شهدها تاريخ الولايات المتحدة.
يميز الكاتب بين الذعر وبين مجرد الإحساس بالقلق، ويقول: يكون الفرد عرضة للذعر إلى درجة أنه يتصرف على أساس ادعاءات لا يمكن إثباتها، خطاب الذعر وبالتالي الذعر نفسه يعتمد على الأمور المطلقة.
وبحسب الصورة التي يرسمها الكاتب، ليس من الذعر أن يخشى الأمريكيون من أن يكون بعض الأمريكيين من أصل ياباني جواسيس، لكن من الذعر التأكد أنهم جميعا جواسيس، وليس من الذعر أن يخشى الأمريكيون أن يكون بعض الأمريكيين من أصل عربي إرهابيين، لكن من الذعر التأكيد على أنهم جميعا إرهابيون.
فلترة الحقائق
ويقول الكاتب إن لغة الذعر تعمل على «فلترة الحقائق»، أو أنها تتجاهل الأدلة المعاكسة.
وتميل لغة الذعر إلى الخلط بين العلاقة التبادلية والعلاقة السببية، كما أنها غالبا ما تستحضر «فراغا يجب تعبئته»، أي تلك اللغة التي تترك للقارئ أو المستمع أن يضع تفسيره وتحليله الخاص لأمر من الأمور.
عندما كتبت صحيفة في ولاية جورجيا في افتتاحيتها، أن سكان أمريكا الأصليون –الهنود الحمر- هم «سلالة قذرة ومبتذلة»، على سبيل المثال، فإن استخدام هذه الصحيفة لكلمة «مبتذلة»، برأي ستين، سمح للقارئ بأن «يقرر ما الذي يشكل ابتذال عرق ما اعتمادا على معرفته، احتياجاته، ومخاوفه الخاصة».
هذه ليست قائمة سيئة للمزالق المنطقية والخطابية التي يمكن أن تقود إلى نتائج قد تكون سيئة أو كارثية في بعض الأحيان، ويميل ستين إلى تعريف هذه الفراغات وتحديدها بما يراه القارئ ملائما، على سبيل المثال، هناك فصل في الكتاب حول العداء ضد السامية – وهذا ليس مفاجئا لأن هذه الشماعة يستخدمها السياسيون والكتاب وجماعات الضغط بكثرة عندما يجدون أنها تخدم توجهاتهم خاصة في إطار الدفاع عن اليهود واتهام كل من يهاجم سياسات إسرائيل على أنه «عدو للسامية».
في هذا الفصل، يشير الكاتب إلى عبارة استخدمها نائب الرئيس الأمريكي الأسبق دان كويل في 1992 وقال فيها إنه يعرف تماما «من هم النخبة الثقافية، النخبة الإعلامية، النخبة التي في هوليوود».
لكن الكاتب يسارع للقول إن نائب الرئيس الأمريكي كويل قد لا يكون هو نفسه عنصريا وعدوا للسامية بالضرورة، لكنه يؤكد أن اللغة التي استخدمها كويل في خطابهن ومن خلال استحضار فئات وتصنيفات يمكن تفسيرها على أنها إشارات إلى اليهود، فإن نائب الرئيس الأمريكي «سعى إلى دعم الذين يعادون السامية».
كسر قوة الطبقة المحظوظة
يستحضر مارك ستين في مكان آخر من الكتاب، عبارة قالها الناشط الشيوعي المعروف بتصريحاته النارية في بدايات القرن العشرين جوهان موستس.
ويقول ستين إن موستس صرح في 1903 بأن «قوة الطبقة المحظوظة لم يتم كسرها مطلقا بالوسائل السلمية».
ويعبر الكاتب عن اعتراضه الشديد على هذه العبارة لأنها استبعدت أحداثا كثيرة في التاريخ الأمريكي وتاريخ إنجلترا.
وفي جميع الأحوال، يمكن القول إن هذا الكتاب، الذي استطاعت مؤلفات كاتبه أن تحقق مبيعات ضخمة وتدخل قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعا، يؤكد أن جميع الأمريكيين، في مكان ما وعلى مستوى ما، يقعون ضحية للمبالغات غير الضرورية وغير الواقعية، ويقعون تحت تأثير الدعاية الإعلامية التي تصاحب الذعر السياسي، بغض النظر عن ميولهم السياسية أو الانتماءات الشخصية لأي حزب من الأحزاب.
ويؤكد الكاتب على التشابه بين حالات الذعر السياسي في الولايات المتحدة بدءاً من محاكمات الساحرات في قرية سالم الأمريكية في عام 1692، والتي انتهت بإعدام 19 شخصا وموت اثنين في السجن وواحد تحت التعذيب، وبين حالات العنف المعاصرة حول قضايا مثل الهجرة من أمريكا اللاتينية، زواج المثليين، وبناء مساجد المسلمين.
ويقدم الكاتب نظرة عميقة حول الأسباب التي تجعل الشعب الأمريكي يبالغ في ردة فعله في وجه التغيير الواسع الذي قد يكون تغييرا عميقا من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو حتى الاقتصادية.
هناك فصول مختلفة في هذا الكتاب يتناول كل منها قضايا محددة.
وتتناول هذه الفصول في مجملها قضايا تتعلق بالأمريكيين من أصل أفريقي، وسكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر)، والطائفة المسيحية الكاثوليكية، وطائفة المورمون، والأمريكيين اليهود، والأمريكيين من أصل صيني، والأمريكيين من أصل ياباني، والشيوعيين، والرأسماليين، وقضايا حرية المرأة.
ويخصص الكتاب مساحة لا بأس بها للذعر الذي يتم إغفال الحديث عنه عمدا من قبل الكثيرين هذه الأيام هو الذعر الذي سببته الحركة الماسونية العالمية داخل المجتمع الأمريكي في مرحلة من المراحل.
ويكشف الكاتب عن تشابه مذهل ومفاجئ بين هذه الحلقات المختلفة والمتنوعة في التاريخ الأمريكي، ويدعم الكاتب ما يذهب إليه من تحليلات وتفسيرات بوثائق يكشف عن بعضها للمرة الأولى تحوي أحداثا وتصريحات من الماضي يمكن تطبيقها بسهولة على أحداث وتصريحات معاصرة.
وفي إطار كشفه للتشابه الكبير بين أسباب الذعر في الولايات المتحدة بين الماضي والحاضر، يبين ستين الأسباب التي تجعل بعض الناس يشعرون بالذعر من قضايا محددة في الوقت الذي لا يشعر آخرون بذلك.
الكاتب يعتقد أنه، وبسبب القابلية الدائمة للخوف، من المرجح أن تستمر موجات من الذعر السياسي بلعب دور في تشكيل التاريخ الأمريكي.
لكن المبادئ الأساسية للمساواة وسيادة القانون التي قامت عليها الولايات المتحدة الأمريكية - فضلا عن الإيمان المطلق بالحرية والديمقراطية بين الشعب الأمريكي - ستلعب دور الرقيب على تجاوزات المتشائمين وبث روح الاستقرار والطمأنينة في المجتمع الأمريكي.
ما يميز هذا الكتاب أن مارك ستين لا ينظر إلى التاريخ الأمريكي من خلال الرؤساء والمعارك التاريخية والقوانين الأمريكية، كما يفعل الكثيرون؛ لكنه عوضا عن ذلك يكشف ويربط بين سلوك الشعب الأمريكي الذي غالبا ما يؤسس المسار التاريخي للبلد.
يعيش مؤلف الكتاب، مارك ستين، في العاصمة الأمريكية واشنطن.
كتابه الأول «كيف حصلت الولايات على شكلها» حقق نجاحا باهرا ودخل قائمة الكتب الأكثر مبيعا بحسب تصنيف نيويورك تايمز، كما تحول إلى سلسلة تلفزيونية حملت نفس الاسم.
ستين كاتب سينمائي ومسرحي أيضا، إضافة إلى أنه أستاذ محاضر في أكثر من جامعة أمريكية.
الكتاب: الذعر الأمريكي: تاريخ من يخيفنا ولماذا؟American Panic: A History of Who Scares Us and Why
الكاتب: مارك ستين Mark Stein
الناشر: بالجريف ماكميلان، 2014

