يُقال إن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا، وفي التراث الإنساني حمولات هائلة تُمجّد الاتفاق، وأنا وأنت نتفق على أن الاختلاف - بصفته نقيض الاتفاق- هو السبب الرئيس في تخلّف العالمين؛ الإسلامي والعربي، هذه المقدمة أستطيع أن أستطرد بها حتى أصل لـ(بعد النسيان) في الصفحة الأخيرة حيث مضارب الساخر محمد السحيمي -أمد الله بعمره حتى يسأم- لكن الموضوع الذي سأتحدث عنه ليس الاختلاف، بل نقيضه تماما، لكنه يؤدي لنفس النتيجة، فنحن متفقون أنه عند الاختلاف على مشروع ما والتنازع حوله فالنتيجة هي التعطيل لا محالة، لكن لدينا (خصوصية) غريبة أقرب إلى الفنتازيا تجعل الاتفاق على أمر ما يوصل لنتائج أكثر من التعطيل، ولتقريب الصورة سأضرب مثالاً بسيطاً، فمثلا الشارع الترابي أمام منزلي (ومنزلي مجازاً يا وزارة الإسكان) تمت سفلتته، حيث هدير المعدات رائع عذب، واستمتعنا كثيراً بتلك السيمفونيات التي تبزّ السيد بيتهوفن، وبعد بضعة أشهر (قصيرة جداً) رحلت المعدات وجعلتنا نستمتع بشارعنا الذي لم يعد المصدر الرئيس للغبار، ولم تدم الفرحة بالشارع طويلاً، حيث فوجئنا بقيلولة يوم قائظ بعودة المعدات تنبش بشارعنا الجديد، تجاهلنا (وساوس) شيطاننا الذاتي الذي يسخر: (ربما في شارعنا نفط)، لكن الحقيقة المُرة أن هذا مشروع توصيل المياه إلى الحي، فقام فرع وزارة المياه بكشط الاسفلت الذي وضعته البلدية، وللأمانة تبقّى للاسفلت أطلال بادية للعيان فقلنا (العوض ولا القطيعة) لكن أتى مشروع الصرف الصحي وأزال أطلال اسفلت شارعنا بعزّ شبابه وسارع بوصولنا إلى الشيخوخة، فأصبحنا معمّرين، إذ إننا عايشنا ولادة الشارع وموته ثم اختفاء أطلاله، و»زبدة الهرج» ليس عن الأموال التي صُرفت على السفلتة ثم أُزيلت بشهرين، ولكن في الاتفاق أن ذلك خطأ، فالبلدية تقول فعلاً ما حدث كارثة، وتبرر ما حصل بأنه عندما يتم الموافقة على صرف ميزانية سفلتة فهي لا تستطيع أن تنتظر حتى موعد صرف ميزانية وزارة المياه مثلاً، ووزارة المالية لديها نفس المُبرر فهي ترى أنه كون الشارع تمت سفلتته بعد طول انتظار فذلك ليس مبرراً أن تلغي مشاريعها، المشكلة أن الجميع (المواطن والمسؤول) متفقون على أن ما يحدث خطأ كبير، وهدر بسبب سوء التخطيط، هل نقول إنه لا يوجد حل كون المُدن لدينا أُنشئت بشكل عكسي؟ أي أن المرحلة الأولى بناء المدن وتشييدها والمرحلة الثانية إيجاد البنية التحتية؟، المواطن البسيط يرى أن الحل سهل جداً، وهو التنسيق بين هذه الجهات وكفى الله الشوارع شر التمزيق، لكن هذا الحل يراه المسؤول عن هذا المشروع حلا مستحيل التطبيق على أرض الواقع رغم مثاليته التنظيرية، فأمانات المناطق -مثلاً- ترفع باحتياجاتها للوزارة، والغريب أن الوزارة هي من تقرر أهمية المشروع، فقد توافق على ميزانية سفلتة كمرحلة أولى، وتكون شبكات التصريف مرحلة ثانية، الوزارة بدورها - كل الوزارات الخدمية- تعترف أن مسألة اعتماد مشروع يتطلب موقفا (سمحا) من وزارة المالية، وعن وزارة المالية يقول بيروقراطي معتّق (طالب بعدم نشر اسمه بالتأكيد) إنها ما زالت تقوم بدور (الأخت الكبرى) التي يعطيها الوالد مصروف العائلة وتقوم بتقسيمه حسب أهمية احتياجات بقية الإخوة من وجهة نظرها هي، ولم يستطع أحد أن يقنعها بأن تعطي كل أخ مستحقاته كاملة وتقوم بمحاسبته لو شاءت!
ما أود قوله إننا (يجب) أن نختلف، فالاتفاق المؤدي إلى التثبيط واليأس من دورب الجُبن، وليس القوة والشجاعة، فالأنظمة التي يتفق الجميع على أن الزمن تجاوزها من الوطنية والشجاعة والنُبل أن يُطالب المسؤول بتغييرها إن كانت تحد من إنجازه، لكن أظن - وأتمنى ألا أكون آثماً- أن بعض المسؤولين يريد بقاء هذه الأنظمة كي يقول للمواطن: أنا أتفق معك تماماً لكن الفقرة الأولى من المادة الثانية تلزمني بعكس ذلك!
المشكلة أن نتفق!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
