كان «التنسيق الأمني» بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، أهم عناوين التهاجي بين «فتح» و»حماس» كلما علت وتيرة الخصومة. في ذلك السياق جرت العادة أن الطرف الأول ينفي بالمطلق، وجود أي تنسيق بمعناه الذي يقصده الطرف الثاني، بينما «حماس» ركزت عليه بسبب حساسيته المحرجة للطرف الأول أمام الشعب الفلسطيني، على ما فيه من انتقاص للشرف الوطني. وفي الحقيقة، لم يكن لهذا التنسيق بمعناه الحقيقي كتدبير اتبعه الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في بداية العملية السلمية، أي سياق من ذلك الذي وصفته «حماس» وألحت عليه في دعايتها. هناك ما يُسمى «التنسيق المدني» وهو اتصال على مدار الساعة، يؤديه من الجانب الفلسطيني موظفون يجيدون اللغة العبرية، لمتابعة قضايا الشؤون المدنية من تصاريح للحركة والسفر وتسجيل المواليد ونقل البضائع وغير ذلك. بالمقابل لم يكن ذلك التدبير في موضع الواجب المحبب، ناهيك عن الواجب «المقدس» على النحو الذي جاء في زلل لفظي للرئيس الفلسطيني عباس، عندما تحدث أمام لفيف من «نشطاء السلام» الإسرائيليين، وربما كان يقصد التشديد على التزام السلطة بعدم تهديد أمنهم.
لقد نشأ تدبير التنسيق الأمني لمقتضيات عملية، فرضها الطابع التدريجي لسير العملية السلمية التي بدأت في العام 1994م. ومنذ تلك السنة، كان الطرف الفلسطيني، وهو في الأصل حركة تحرر وطني؛ يتعاطى مع المسألة باعتبارها تنحصر في نقطة واحدة في ملاحق اتفاق أوسلو لإعلان المبادئ، قوامها أن القوات الإسرائيلية، لا يحق لها القيام بمطاردات ساخنة مثلما كان يلح المفاوضون الإسرائيليون. فقد رفض الفلسطينيون أن تعود قوات الاحتلال، إلى التوغل في مناطق السيطرة الأمنية الفلسطينية بذريعة أن لديها معلومات عن عملية وشيكة، وبأنها مضطرة للقيام بالمقتضى الأمني بالنسبة لها. ولتثبيت هذا المبدأ، نشأت فكرة التنسيق، الذي يتعين فيه على الطرف الإسرائيلي -لا على الطرف الفلسطيني- أن يرسل معلوماته، ثم يباشر الطرف الفلسطيني أخذ المقتضى، بالوسيلة التي يراها مناسبة، لمنع العملية التي يراها السقف السياسي غير مجدية وضررها أكثر من نفعها، أو للتأكد من كون المعلومات مغلوطة، ومستقاة من عملاء مفلسون!
ولكن بعد أن انقلب الإسرائيليون على تلك العملية السلمية، منذ أن صعد إلى الحكم في إسرائيل، معارضون لها متشددون؛ لم يعد لذلك التدبير أي مبرر، لأن المحتلين، يتوغلون في المدن في كل ساعة ومتى شاؤوا. ولو كان الفلسطينيون بصدد الاحتكام إلى نص دستوري داخلي، أو إلى منبر دولي، فإن المُشرّع سيحكم لهم بالتوقف عن العمل بمقتضى ما كان الاتفاق عليه. وبالنسبة للرأي العام الفلسطيني، بكل أطيافه، فقد كان معلوماً منذ البداية أن أي شكل من أشكال الاتصال الأمني بالمحتلين حين يتجاوز محددات ذلك التدبير المشروط بأهدافه السياسية واللوجستية، يصبح عملاً خيانياً. وأي اتصال تحت عنوان التنسيق، يتجاوز الآن ضرورات التنسيق المدني ومحدداته؛ يقع في المحظور، ويمكن تصنيفه وفق حيثياته وعلى قاعدة أمن المجتمع الفلسطيني. فالمحتلون يتوغلون ويصطادون الشباب بالنيران ويقتلون، ويهاجم الهمج المستوطنون القرى الفلسطينية ويحرقون المساجد والكنائس والأشجار ويعتدون على حرمة المقابر ويستقوون على الناس بالجيش المدجج بالسلاح. معنى ذلك أنه انتفت تماماً أسباب التنسيق بمعناه المحدد في الملاحق. فعندما كانت أسبابه قائمة، لم يكن قبول الطبقة السياسية الفلسطينية به، إلا اضطراراً وعلى مضض. وفي واقع المشاعر، لم يكن التنسيق منذ البداية مقبولاً من حيث المبدأ، لأن المحتلين كانوا ما زالوا يحتلون، بينما التنسيق يكون بين دولتين تحرصان على حُسن الجوار.
عندما قبل الطرف الفلسطيني التنسيق الإجرائي الأمني، غلب عنده عنصر التمسك بهيبة سلطته التي سوف تتزعزع أمام شعبها كلما توغل الجيش الإسرائيلي في المدن، واعتدى على الناس. قدمت منظمة التحرير الفلسطينية بديلاً مقابل عدم التوغل، وهو الالتزام باتخاذ إجراءات أمنية ضد مقاومين مفترضين، عوضاً عن مطاردات إسرائيلية ساخنة لا تُحمد عقباها. كان الأوجب ألا تلتزم السلطة الفلسطينية بأكثر من ألا تكون الرماية من داخل مناطق سيطرتها. فالسلطة الفلسطينية ليست ذات سيادة وليس لها سيطرة استراتيجية. فإن تعرض المحتلون لهجمات معارضين لعملية التسوية، عليهم هم أن يتحملوا النتائج. معنى ذلك بالمحصلة، أن التنسيق لم يكن إلا أهون الشرور، ولم يكن مرضياً حتى في زمن التفاؤل. وبالطبع لم يكن في مخيلة أي إنسان، آنذاك، إضفاء شيء من القداسة عليه. فلا مجال لتلويث معنى القداسة، بخلعه على أمر من هذا القبيل!