ما الذي تبحث عنه تركيا في القارة السمراء ولماذا هذا الاهتمام المتزايد من قبل حزب العدالة والتنمية بأفريقيا والوصول إلى عواصمها؟ هل ذهبت تركيا تبحث عن ماضيها في القارة السمراء، أم هي هناك لبناء مستقبلها ومستقبل تلك الشعوب كما يقول القادة الأتراك الذين رافقوا إردوغان في الجولة؟
الإعلامي التركي كورتولوش تاييز الذي كان في الوفد الإعلامي المرافق يروي قائلا “نرافق نحن ومجموعة من الصحفيين الرئيس إردوغان في جولته الخارجية إلى إثيوبيا والصومال وجيبوتي، وكانت الخطوة الأولى للرحلة العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
أثناء الزيارة وصلنا خبر انفجار سيارة مفخخة في مقديشو عاصمة الصومال، وتحديدا أمام الفندق الذي يقيم فيه الوفد التركي الذي كان يعد لقدوم إردوغان.
لم يمض الكثير من الوقت حتى علمنا بأن حركة الشباب تقف خلف الهجوم، حيث قامت نفس المنظمة باستهداف السفارة التركية بمقديشو في 2013، وزير الخارجية مولود شاويش أوغلو يقول لنا: إردوغان مصر على زيارته للصومال، ربما تكون الزيارة محفوفة بالمخاطر، لكن تركيا كعادتها لن تغير قراراتها مهما كانت المخاطر المحتملة”.
الأتراك يرون في هذه الجولة في دول القرن الأفريقي والتي شملت كلا من إثيوبيا وجيبوتي والصومال، امتدادا للانفتاح التركي الأخير على القارة التي انسحب منها الأتراك مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وبعد أكثر من أربعة قرون من التواجد والانتشار هناك.
حكومة العدالة والتنمية أرادت استكمال ما بدأه حزب الوطن الأم ومؤسسه تورغوت أوزال في أواخر الثمانينات، في إطار سياسة خارجية متعددة الجوانب بينها الانفتاح على القارة الأفريقية، لذلك تحرك إردوغان ليوقع عشرات العقود والاتفاقات مع البلدان التي زارها.
في 2003 وضعت استراتيجية لتطوير العلاقات الاقتصادية مع أفريقيا، كما أطلق على 2005 “عام أفريقيا” في تركيا، وتوجت الزيارات المتبادلة بتوقيع اتفاقات اقتصادية جديدة نقلت العلاقات مع تلك الدول لمراحل أكثر تقدما.
كما أن جولة الرئيس التركي الأسبق عبدالله جول الأفريقية في 2008، التي شملت 4 بلدان كانت أيضا ترجمة لرغبة حكومة العدالة في المضي في هذه الاستراتيجية الانفتاحية نحو القارة.
ثم كانت قمة إسطنبول في العام نفسه التي شاركت فيها 53 دولة أفريقية بهدف تأطير خطط التعاون بين الجانبين التي كانت ترجمة عملية لدعم تركيا في المحافل الدولية وبينها عضويتها في مقعد مجلس الأمن الدولي غير الدائم، حيث أعلنت تركيا شريكا استراتيجيا لدول القارة.
تركيا، التي أعلنت عام 1998 الانفتاح الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي على أفريقيا، عادت وفي خطوة استراتيجية أخرى في 2008 لتكون الشريك الاستراتيجي للقارة.
إلى ذلك تجاوزت تركيا مرحلة التأسيس والانفتاح على دول أفريقيا وانتقلت إلى مرحلة التنسيق الاستراتيجي بعد توقيع اتفاقية “التعاون الاستراتيجي” بين الجانبين في 2010 هذا إلى جانب جيش من الفاعلين في تقديم الخدمات التي أشرفت عليها منظمة التعاون الإنساني “تيكا”.
ثم عادت تركيا لتنظيم “مؤتمر الدول النامية” في 2011 الذي شاركت فيه غالبية الدول الأفريقية على أعلى المستويات.
فالمساعدات التركية التنموية لدول الأفريقية زادت 10 أضعاف، حيث يذهب ثلث المساعدات التركية التنموية إلى دول القارة.
وافتتحت وكالة التعاون والتنسيق التركية مكاتب في 10 عواصم أفريقية تسهم في تنمية هذه البلدان.
ويبلغ حجم المساعدات التركية لأفريقيا نحو 500 مليون دولار سنويا، فيما ارتفعت أرقام التبادل التجاري من 9 مليارات دولار في 2005 إلى 13 مليارا في 2007 ثم 15 مليار دولار في 2010 و24 مليار دولار في 2013، ليصل الرقم اليوم إلى نحو 30 مليار دولار.
كما أن الترجمة المباشرة والعملية لهذا التقارب التركي الأفريقي جاءت من خلال رفع عدد التمثيل الدبلوماسي التركي بالقارة، من 13 إلى 40 بعثة، وزاد عدد سفارات الدول الأفريقية بنقرة من 8 إلى 20 سفارة خلال السنوات الأخيرة.
«تركيا التي أعلنت العام 1998 عام الانفتاح الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي على أفريقيا عادت وفي خطوة استراتيجية أخرى في 2008 لتكون الشريك الاستراتيجي للقارة. واليوم تترأس مجموعة الدول الـ20 للعام الحالي وتريد أن تكون هموم ومشاكل واحتياجات القارة على رأس جدول أعمال المجموعة هذه المرة. تركيا تريد إفهام القيادات الأوروبية أنها تتابع حركة النمو السريع في دول القارة. الأتراك يقولون باختصار: نعود إلى أفريقيا ليس من أجل أن نحمل لهم مزيدا من الهموم بل الحلول وهم يعرفون ذلك».
سليمان صويلو - رئيس مركز أبحاث تاسام
«إن إردوغان يعرف تماما أنه لم يذهب إلى هناك لمنافسة الصين، التي نجحت في الامتداد إلى أبعد المدن الأفريقية والوصول إلى مراكز الطاقة والمعادن والثروات ولم يتوجه لسد الفراغ العربي المتروك لأن مصر في النهاية هي بوابة أفريقية استراتيجية مهمة لا يمكن تجاوزها جغرافيا وتاريخيا وعرقيا. كما أنه لم يقصد العواصم الأفريقية ويقطع كل هذه المسافات لشرح تحركات ونشاطات جماعة فتح الله غولان، التي توصف اليوم بالكيان الموازي، حيث عبر إردوغان عن مخاطر هذه المجموعات على الداخل التركي وعلى العلاقات بين تركيا والبلدان الأفريقية».
اتيللا صندقلي - رئيس مركز بيلغاسام للأبحاث والدراسات
«إذا أردتم معرفة الإجرام الذي ارتكبته الإمبريالية بحق الإنسانية عليكم زيارة أفريقيا، لأنها قارة منهوبة ومسروقة من قبل الغرب، ولا يتم سرقتها ونهبها دولة فدولة، وإنما بصورة جماعية كقارة كاملة. لم يكتف المستعمرون بسرقة الخيرات الطبيعية لتلك القارة، وإنما نهبوا كل شيء حتى النور الذي يخرج من عيون الناس هناك».
حسين يايمان - أستاذ العلاقات الدولية بجامعة غازي

