عندما سطع نجم الفن الروائي -كثيرا- في سماء بلادنا (منذ ما يقارب العقدين)، لم تصدق النخبة المثقفة أن وقتا طويلا قد انقضى، دون أن تتذكر قدرة هذا الفن على (تمكينهم) من إطلاق صرخات احتجاجهم على الواقع المتصلد الساكن (إلا من الصوت الواحد)، لينهمر نهر الرواية لدينا مفعما بذلك (الاحتجاج) الانفعالي (المتأدب) على ذلك الواقع الجمعي، ولو أدت تلك الانفعالات الحارقة إلى نسيان القيم الفنية، التي تحتفي بها الرواية (الخالصة)، فالمهم هو أن تكون هذه الرواية طريقة ممكنة في التعبير عن مكنونات داخلية طال أمدها في الوعي الداخلي، لتتسابق المطابع ودور النشر في الداخل والخارج
على الظفر باستحقاقات ذلك الكم الهائل من الإعلانات (غير المألوفة) عن ذواتنا المحلية، الخارجة للتو من أقفاصها الداخلية، للدرجة التي وجدنا فيها بعض تلك (الأعمال) تجترئ على (الذوق العام)، بانكفائها الدائم في فضاءات مظلمة تنوء بسلبياتها وآثامها وتجاوزاتها الأخلاقية العامة..وتتكرر هذه الحالة المتوترة من تأزمات الذات المحلية عندما بزغ في الأفق نجم (تويتر) وبقيةمنظومته (التواصلية)، متجاوزا النخب المثقفة المحددة إلى المجتمع كله، الذي وجد في ذلك الفضاء التقني فرصة للبوح الجمعي عما يختلج داخل أفراده من مشاعر وأفكار طال أمدها -كذلك- وهي تدور في جوانح ذواتها، رغم حاجة تلك الذوات للوجود اللغوي داخل منظومة اجتماعية (يرسل أفرادها ويستقبلون، ويأخذون من بعضهم ويعطون!)
فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ومن أبرز ما تتحقق به تلك الكينونة الكلية هذا الخطاب اللغوي الذي يشترك في صياغته الكل على السواء.. ولكن الذي حدث بعد ذلك أن ذلك الخطاب الاجتماعي (لتويتر) لم يكن في مجمله إلا شتائم وتحزبات وممارسة أقصى درجات العنف اللغوي والإقصاء الجمعي بحق من يمارسون ذلك الخطاب، باختلافات متخيلة واهمة، كانت في ذلك الوعي المتطرف بيانات خطيرة تمس الدين والعرض والوطن، كما حدث مؤخرا بين الدكتور الغذامي ومؤيدي الدكتور أحمد بن سعيد، الذين أسماهم الغذامي (بالرهط)، وهو يستقرئ عنفهم وشتائمهم بمنهجيات نقده الثقافي المعرفي، ذلك العنف الذي وصف فيه الغذامي بأنه (أنجس من الكلب وأخطر من الصهاينة، وبأنه منافق شديد النفاق وضال مضل)!ذلك المشهد ومثيله (الكثير) يكشف عن نزعة عدائية (فظيعة) من أفراد المجتمع نحو بعضهم، مما لا يمكن أن يحدث في فضاءات أخرى قريبة أوبعيدة.. مسلمة أو (كافرة).. وإلا كيف يفسر أن يشتم اسم كالغذامي على رؤوس الأشهاد ويتهم بالتخوين والتفسيق و(الصهينة)؟ وهو مسلم مؤمن -عقيدة وسلوكا- من بني جلدتنا، وأكثر القامات تأثيرا في ثقافتنا على مر الزمن، والأستاذ الجامعي الذي أضفى على المشهد الأكاديمي في تعليمنا علمية ورصانة، وتخرج على يديه جيل كامل من النقاد والمبدعين والأساتذة الجامعيين؟! ليسجل ذلك العنف (التويتري) أدلة قوية لحقائق موجعة عن أطياف كثيرة من مجتمعنا، عندما تجد الفرصة للبوح والكتابة، ويمكن إجمالا استنباط التجليات العامة لذلك الخطاب (الذي اضطلعت به تويتر) وبقية المنظومة (التواصلية) وإيجازها في النقاط الآتية:
١- حقيقة الخواء (المعرفي والأخلاقي والحس الوطني المتكافل) داخل الذهنية الجمعية لدينا، مما يفضي إلى ذلك الصراخ المتوتر المفعم بالسوء، لأن (التغريد) المألوف هو الصوت الجميل الذي تتنادى به الكائنات النقية المحبة مع بعضها، وهو اللغة التي تفصح بها تلك الكائنات المحلقة عن نداءاتها السامية في الفضاءات العلوية الجليلة.
٢- حقيقة اختزال المشهد المحلي العام في خطابين فقط، هما خطاب الذين وسمهم الدكتور الغذامي بـ(الرهط)، والخطاب الذي (يحاول) تلمس خطى الحضارة والفكر العقلاني المستنير، لأن الكثير من التيارات في الخطاب الأول لدينا ينطبق عليها خصائص هؤلاء الرهط: (أصواتهم عالية -متمسكين
جدا بقناعاتهم لدرجة استحالة صناعة أية حوارية ممكنة معهم- هيمنة خطابهم الانفعالي العاطفي- توسلهم بكل الحيل لإقصاء مخالفيهم وقمع كل من يقترب منهم بالنقد والتحليل)، ثم لأن الخطاب الثاني يندرج ضمنه صوت الشاعر الحديث، والناقد المتمرس بالمناهج النقدية الغربية، والعلماني الذي لا تتجاوز (علمنته) الاحتفاء بالنزعة العلمية ونداءات العقل في الحكم على مظاهر فكرية ونقدية واجتماعية (غير حاسمة)، والليبرالي الذي يهجس وينادي بأكثر حاجات الإنسان إلحاحا ومشروعية (كحقوق المرأة لدينا في التعليم والعمل...)ولذلك فإني أزعم بأن ثمة تيارات لا وجود لها على الإطلاق، كالتيار الديني (لأن مجتمعنا متدين بطبعه قبل مجيء الذين أوهموا المجتمع بأنهم قادة تيار ديني يريد إيقاظ الناس من غفوتهم الضالة)، وينطبق الأمر ذاته على حقيقة عدم وجود تيارات علمانية وليبرالية خالصة (سوى ما ظهر مؤخرا من فتية موتورة جاهلة لا يمكن أن يعتد بما تهذي به وتنادي إليه)... أظن أن للحديث بقية في النثار القادم بإذن الله.