الكتابة عن أخطاء العمل الحكومي والملاحظات الكثيرة عليه والتوقف عن تلك النقطة لا تعتبر منطقية من وجهة نظري، فتقديم المشكلة دونما التطرق إلى الحلول يجعلنا جزءا من المشكلة لا الحل، وهذا ما لا أرغب أن أكون جزءا منه.
بعض الحلول والرؤى والتي امتلأت بها التقارير السنوية أو نصف السنوية، وأوراق العمل التي قدمت في المؤتمرات والندوات وورش العمل والملخصات والمطالبات المتكررة للمستفيدين، ظلت حبيسة الأدراج ولم تكن جزءا من مشروع تطويري، فالكثير من الوزارات والهيئات والإدارات الحكومية يفترض أنها تدعم دوائر التحسين المستمر ضمن منظومتها الوظيفية ومع الجهات المرتبطة بها دوما، فالتحسين ليس عملية مرتبطة بالأخطاء البشرية فقط بل التحسين عملية أكثر استمرارية ترتبط بالنجاح، ولكن الكثيرين من مسؤولي هذه الجهات صمّوا آذانهم عن سماع المقترحات والتطويرات والمطالبات، وفي أحسن الأحوال جعلت منظومة اقتراحات ورقية أو الكترونية واعتبارها «متنفسا» أصبحت معه النظرة السائدة بين المجتمع «لعل وعسى أن يكون هنالك من يقرؤها ويبادر إلى تبنيها»، ومع ذلك لم يوفر لها الحد الأدنى من المتخصصين للتطوير الإداري والفني ليعملوا على تطوير هندسة الإجراءات، فالحلول لكثير من مشاكل القطاعات وإدارات الجهات الحكومية تمتلكها الجهات ذاتها، ولكنه قصور في الرؤية والإدراك لما تمتلكه هذه الجهات من بيانات ومعلومات.
والحل هنا هو التحسين المستمر والإبداع، وهو القمة الأعلى التي لم يتحقق الوصول لها إلا لجهات قليلة جدا وبتردد كذلك.
وكما عملت جهات أخرى على نطاقات ضيقة في توفير المعلومة فقط وبشكل سريع، ولم يمس هذه التعديلات من تحسين التعاملات، فما زال الكثير من هذه الجهات يتلكأ في قبول عملية التحسين والإبداع، ويعتبر مهمته هامشية مع أهميته كجزء حقيقي من منظومة العمل الإداري ضمن هذه الجهات.
إن التعقيد في الإجراءات مع عدم وجود عمق لتمثيل البيانات بشكل يسمح بمعرفة مكامن الخلل والفرص والتحديات لكل جهة أو قطاع، يجعلنا نستمر في دائرة منغلقة لا ينفك انغلاقها إلا من الخارج الأقوى منها، فتوفير هذه البيانات في واقع الحال لا يعبر عنه إلا بمصطلح «تصفيط ورق»، فالكثير من الجهات الحكومية تلزمك ببيانات ومعلومات هي بالأساس مدرجة لديها أو لدى جهة أخرى مماثلة لها، ولكن عدم وجود رؤية لأهمية ربط الجهات الحكومية ببعضها ومفهوم التنافس غير الصحي بينها سيجعل الكثير من مبادرات هذه الجهات عديم الجدوى مستقبلا.
إن تساوي الحقوق والالتزامات على كل الجهات تجاه المستفيدين والالتزام بالمسؤوليات والواجبات أمر حتمي، ولكن لابد من أن يراعى التطوير والتحسين المستمر وقبول الإبداع كمنهجية عمل، فاختلاف التزام الجهات وتطبيقها حينا وتسهيلها حينا آخر سيتسبب في سوء فهم للأنظمة لدى المجتمع، وسينظر إليها على أنها «فساد محض»، ولذا فإن الأولى من ذلك كله أن تبدأ الجهات الحكومية بإنشاء وحدات عليا ترتبط بقمة الهرم الإداري في كل جهة، وتكون معنية بالإبداع، وتكون مهمتها دراسة احتياجات المستفيدين وطلباتهم التي تخص الجهة، والبدء في إعداد أنظمة تتسم بالبساطة والتنوع والواقعية وقبول التطوير والتحسين والإبداع.
العمل الحكومي والتحسين المستمر
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
