يصف طالب في جامعة فاس وسط المغرب بفخر هذه الجامعة بأنها “واحدة من آخر معاقل اليسار” الراديكالي، لكنها تواجه في الوقت نفسه اكتساحا للإسلاميين، كان آخر مظاهره وفاة طالب في العشرينات بعد مواجهات دامية. وتحت أروقة جامعة “ظهر المهراز”، وعند بوابتها بالضبط حيث وقف عشرات الطلاب في طابور لدخول المطعم الجامعي، تحلقت مجموعة من الطلبة المناضلين تحت شمس صباحية حارقة، فيما يسمى بـ “الحلقة الطلابية” لمناقشة أحد المواضيع. ويتعالى صوت أحد الطلبة بينهم ويقول “جامعتنا معقل لليسار الماركسي اللينيني، ومن هنا دافعنا دائما عن مصالح الشعب المهدورة من قبل النظام”. وتعد جامعة “ظهر المهراز” أقدم جامعة بالمغرب بعد جامعة “محمد الخامس” في الرباط، حيث شيدت على أنقاض ثكنة عسكرية قديمة يعود تاريخها للحماية الفرنسية، وتبرز للزائر من بعيد، أسطح أجنحتها المغلفة بالقرميد الأحمر.
ورغم أن هذه الجامعة عرفت منذ بداية التسعينات اجتياحا للحركة الإسلامية، لكن تأثير “القاعديين” وهي تسمية يحملها الفصيل اليساري الراديكالي، بقي على حاله في “ظهر المهراز”. ويقول المعطي منجب المؤرخ المغربي إن “التقليد اليساري الخاص بهذه الجامعة ليس وليد اليوم. فقد كانت من بين الجامعات القليلة التي قاومت المد الإسلامي”، مؤكدا طبيعة “التضامن الاجتماعي” السائد بين الطلبة. ويعطي منجب المثال بالطلبة الذين لا يملكون ثمن شراء تذكرة دخول المطعم الجامعي حيث “يكفي أن يحرك الطالب المفاتيح في يده، ليقوم رفاقه بتزويده بتذكرة تمكنه من وجبة طعام”.
لكن روح التضامن بين الطلبة داخل جامعة “ظهر المهراز”، غابت في 24 أبريل الماضي، حين اندلعت اشتباكات عنيفة بالسيوف والسكاكين ما بين الفصيلين الإسلامي واليساري، ما أسفر عن مقتل شاب في العشرينات. ووفق بيان صادر عن السلطات المحلية لمدينة فاس، فإن الشاب عبدالرحيم الحسناوي (21 سنة) فارق الحياة في المستشفى متأثرا بجراحه. ووفق البيان نفسه فإن “المركب الجامعي ظهر المهراز شهد مناوشات تطورت فيما بعد لمواجهات بين طلبة كل من فصيلي التجديد الطلابي والنهج الديموقراطي القاعدي، استعملت فيها الأسلحة البيضاء”. ووقعت الاشتباكات بعدما حاول طلبة ينتمون لفصيل “النهج الديموقراطي- البرنامج المرحلي”، منع ندوة بالقوة، بعنوان “الإسلاميون واليسار والديموقراطية”، دعت إليها “منظمة التجديد الطلابي” الإسلامية، وكان من بين المتدخلين فيها قيادي حالي بحزب العدالة والتنمية، اتهم سابقا بقتل أحد الطلبة اليساريين في التسعينات.
ومنظمة التجديد الطلابي فصيل إسلامي، يعد نفسه “منحازا للمشروع الإصلاحي الرسالي لحركة التوحيد والإصلاح”، التي تعتبر الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يقود التحالف الحكومي الحالي.
أما النهج الديموقراطي القاعدي، فهو فصيل يساري راديكالي يؤمن بالصراع الطبقي و”قيادة الطبقة العاملة للثورة الديموقراطية الشعبية”. وفي حديث الطلبة “القاعديين” نددوا بما وصفوه “استفزازا وإنزالا” للإسلاميين في الجامعة. ويقول محمد الوافي إن الضحية “لم يكن يدرس في جامعتنا، فقد جاء مع طلبة آخرين من مدينة مكناس (50 كلم من فاس)، وذلك بهدف استفزازنا”.
ويضيف “لقد كان إنزالا مسلحا بغرض الهجوم علينا، ولم يكن القاعديون وحدهم من بادر بالهجوم”.
وكان من بين أبرز الوجود المدعوة إلى محاضرة ذلك اليوم، التي انقلبت إلى عنف وضحايا، عبدالعالي حامي الدين، القيادي الحالي في حزب العدالة والتنمية الإسلامي. وارتبط اسم حامي الدين الذي درس في الجامعة نفسها، بالتورط في مقتل طالب من الفصيل اليساري الراديكالي في التسعينات (1993)، يدعى محمد آين الجيد، حيث اعتقل حينها وقضى سنتين في السجن. لكن مع إطلاق الملك الجديد محمد السادس لهيئة الإنصاف والمصالحة بداية 2004، بغرض المصالحة مع ضحايا سنوات الرصاص من المعتقلين والسجناء السياسيين، برأت هذه الهيئة القيادي الإسلامي بموجب “مقرر قضائي”، بل حصل على تعويض لقاء السنتين اللتين قضاهما في السجن. ورغم هذه التبرئة عادت فجأة، عائلة الشاب آيت الجيد، بعد 20 سنة لتوجه التهمة من جديد لهذا القيادي الإسلامي، الذي صار حزبه يقود التحالف الحكومي للمرة الأولى في تاريخه.