مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمصالحة بين الشقيقتين مصر وقطر تنبع من حرصه أيده الله على كل عمل من شأنه لم الشمل العربي والإسلامي، وخاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي تشهد فيها المنطقة العديد من الأحداث والصراعات وحالة عدم استقرار في كثير من الأقطار العربية، الأمر الذي حدا بكثير من المتابعين لتنبؤات من استمرار الخلافات الخليجية، واتساع الخلاف بين كل من مصر وقطر، مما يتيح الفرصة لبعض القوى الإقليمية أن تضع قدمها في أجواء ساخنة تستطيع من خلالها تنفيذ بعض خططها لإضعاف المنطقة وتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.
إلا أن حنكة وبعد نظر (حكيم العرب) الملك عبدالله بن عبدالعزيز وحرصه على توحيد الصف والتضامن العربي، وما يتمتع به حفظه الله من مكانة عالية وتقدير رفيع لمواقفه وسياساته الرامية إلى مصلحة المجموع الخليجي والعربي أدت إلى المصالحة الخليجية أولا، وكانت تمهيدا لمبادرته في توسيع قاعدة المصالحة لتمتد إلى رأب الصدع في العلاقات المصرية القطرية، وقد وجدت المبادرة أصداء خليجية وعربية وعالمية واسعة تعكس مدى تأثير هذه المصالحة على استقرار المنطقة للتصدي لمحاولات زعزعة أمنها وخلخلة لحمتها.
ولا شك أن استجابة البلدين لهذه المبادرة الصادقة والتي أوكلها الملك إلى سكرتيره الخاص معالي الأستاذ خالد التويجري رئيس الديوان الملكي دلالة على الثقل السياسي الذي تتمتع به المملكة وقيادتها وكذلك حرص القادة في البلدين على تصفية الخلافات التي اعترت علاقاتهما، لتبدأ صفحة جديدة من العمل العربي لعل أولى خطواتها استقرار مصر العروبة بما لها من ثقل سياسي وعمق استراتيجي يمثل صمام أمان وحالة توازن في عديد من القضايا الإقليمية والدولية.
ولعل البداية تكشف صدق النوايا من قبل الطرفين، فقد أعلنت شبكة الجزيرة القطرية إيقاف بث قناة الجزيرة مباشر مصر، وهي المنبر المناصر لجماعة الإخوان التي خرجت من الحكم بقرار شعبي ترجمته ثورة 30 يونيو 2013، كما أن زيارة رئيس الاستخبارات القطرية الشيخ أحمد بن ناصر آل ثاني للقاهرة يوم الثلاثاء الماضي دليل آخر يصب في أرضية الوصول إلى تسوية لكافة الموضوعات العالقة بين الطرفين، والوصول إلى عقد قمة مرتقبة تجمع قيادتي البلدين ليعود التعاون والعمل المشترك بين بلديهما على كافة المستويات السياسية والاقتصادية.
ولعل هذا التقارب القطري المصري يفتح آفاقا من العمل العربي عامة، وهو ما أكد عليه خادم الحرمين الشريفين في أكثر من محفل حرصا على التئام شمل العرب وتجنيب الخلافات الطارئة وتغليب المصلحة العليا للأقطار العربية، مما سيعيد حسابات الكثير من المناوئين الذين أرادوا استمرار الخلاف القطري المصري وقبله الخليجي عبر تصريحات إعلامية رأت أن مجلس التعاون الخليجي قد انتهى، وأن الخلاف المصري القطري تصاعدت حدته ليصبح قطيعة سياسية، إلا أن الخطوات العملية ضمن مبادرة المصالحة قطعت تلك التكهنات كما قطعتها من قبل قمة الرياض وعودة البيت الخليجي إلى سابق عهده من الالتفاف والتعاون ونبذ الخلافات، وسيكون للمبادرة أيضا امتداد آخر ربما تشهده العلاقات الخليجية التركية في قادم الأيام، وقد أعلن نائب رئيس الوزراء التركي رغبة بلاده في علاقات متميزة مع دول الخليج ومصر، وستكشف الأيام القادمة مزيدا من العمل العربي والإقليمي سيكون له أثره البارز في إعادة تشكيل الموقف العربي تجاه ما يشهده من اضطرابات ومحاولة بعض القوى لاستمرار ما سمّي (الفوضى الخلّاقة)، التي تكشّفت أهدافها في إثارة الطائفية والحزبيات التي قطّعت أوصال المجتمعات وجرّت عليها الخراب والدّمار.
(حكيم العرب) وجهود المصالحة المصرية القطرية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
