كنت إلى وقتٍ غير بعيد أظن أن وزارة التجارة لا علاقة لها بالمواطن، وكنتُ أعتبرها مثل (الغُرف التجارية) بيت للتجّار يتآمرون فيه على رزق المواطن، لكن رجلا واحدا اسمه توفيق الربيعة صحح معلوماتي دون أن يتكلم، ونبهني إلى أن وزارة التجارة لا تقل أهميتها عن بقية الوزارات الخدمية، سواء كان التاجر (صاحب بقالة أو مليونيرا) عندما يشتكي المواطن من غلاء السلعة رغم أنها (تقليد للماركة الأصلية) فإن التاجر يقول (إن لم تعجبك فدعها، فغيرك سيشتريها)، وعندما يُرفع السعر بلا مبرر فإن الجواب لتذمرك: (السوق مفتوح ولم أجبرك على الشراء)، حتى كدنا نقتنع أن هذه القاعدة هي الصحيحة، أقصد قاعدة (فلوسي وبضاعتي وأنا حُر ببيعها بالسعر الذي يناسبني).
وكنت كغيري من المواطنين المغلوبين على أمرهم والمقلوبين (على جمر الغضا) نتحايل على خيباتنا وجشع التاجر بأن نوهم أنفسنا ونسوق المبررات للتاجر، فنقول – ولو لم يقل هو – إن سبب ارتفاع الأسعار بسبب المصدر الأصلي، والضرائب التي تُفرض على الموردين، وارتفاع أسعار النفط، وبالطبع كلها أعذار غير صحيحة، لكننا نتصنعها لنداري خيباتنا المتناثرة، والتاجر بدوره لم ينف المعلومة ولم يعترف بها، هو فقط كان يهمس لأصحابه بخبث مردداً (جوّع الزبون يدافع عنك).
فيما كنت أنا المواطن لا حول لي ولا قوة إلا بإقناع نفسي أني ممن يشملهم أجر الزهد، وأن الله سيحاسبني حساباً يسيراً، فكل مالي أنفقه في المواد الغذائية الأساسية التي ترتفع فجأة كلما ارتفع سعر النفط، وترتفع فجأة – أيضاً – كلما انخفض سعر النفط.
كل هذا قبل أن يأتي المواطن الصالح توفيق الربيعة و«يُثبت» لي – كدت أُخطئ وأقول «ويقول لي» كما يقول البقية- أن التاجر هو مواطن عادي عليه نفس الواجبات وله الحقوق ذاتها التي لبقية المواطنين، وقبل أن أقول: طيب والتجار الذين.. قاطعني: وينهم؟، وقبل أن أبتسم وأقول (تراهم هوامير وواصلين منت حولهم)، وجدتهم قد عُوقبوا فعلاً!وقبل أن يكمل أصدقائي جملة (يا رجّال بس على الضعيّف) رأينا الأسماء ذات الرهبة ينالها الجزاء.
يا لله ما هذه الإحباطات المدهشة يا توفيق،
أصبح الخطأ الذي يتعمده التاجر ضد المواطن لا يحتاج سوى لبلاغ، وبعد البلاغ بساعات على أكثر تقدير يُتخذ الإجراء الحازم الحاسم، بل يتم إخبارك وشكرك على تعاونك، كل ذلك تم بخطوة بسيطة (عرّف المستهلك بحقوقه، واجعله يثق بأنك ستنصفه عندما يتعرض للظلم)، فيما لا تزال الكثير من الوزارات تتخلص من (تحلطم) المواطن بأن تقول له (مرفوض حسب النظام)، ولو (تجرأ) المواطن وسأل عن هذا النظام وشكك بوجوده وطلب الاطلاع عليه، فسيكون الجواب: (قلنا النظام لا يسمح.. بتعلّمنا شغلنا)!.
لهذا يكون التحدي (فقط) بأن تنقل هذه الوزرات من مربع النظام الذي ضدّي لمربع النظام -المجهول- الذي معي!
معالي الوزراء.. أتحداكم!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
