الآن، وبعد أن ودعنا الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، بدأت مسيرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بصفته ملكا على البلاد، هذا الملك الإنسان يحتاج إلى الدعاء منا جميعا، بأن يوفقه المولى جلت قدرته لمواصلة مسيرة والده المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن طيب الله ثراه، وإخوانه البررة الذين تولوا الملك رحمهم الله، مسيرة البناء والتنمية والتطوير والعطاء.
ودعونا نتأمل في سيرته العطرة، فهو خريج مدرسة المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز رحمه الله، بحسب إجابته على سؤال مباشر أثناء زيارته للجامعة الإسلامية عام 1432هـ، عندما قال «أنا خريج مدرسة الأنجال»، وذكر اسم الشيخ عبدالله خياط رحمه الله، الذي كان أحد مدرسيها، وخريج مدرسة عبدالعزيز بن عبدالرحمن رحمه الله، واستفاد كثيرا من هاتين المدرستين، وبالذات مدرسة والده المؤسس، وهي الأهم حيث صقلت مواهبه وأبرزت شخصيته الفذة في شتى مناحي الحياة، وجعلته أهم أركان الدولة طيلة أكثر من ستين عاما، ويعد أهم صانعي القرار في هذه البلاد، فضلا عن كونه متابعا دقيقا لما يدور داخل المملكة وخارجها.
وتجلت في شخصيته أهم صفة وهي الإنسانية في أبهى وأرق وأجمل صورها، وقد لاحظ الجميع هذا الجانب ولمسه أثناء مرض الملك فهد رحمه الله، وأثناء دفنه، وأيضا أثناء مرض سمو الأمير سلطان رحمه الله، عندما رافقه لشهور طويلة في رحلاته العلاجية، ولم يفارقه إلا بعد أن واراه الثرى، وكان ذلك المنظر مؤثرا وهو يرافق جثمانه بعد الوصول من أمريكا، والسير بالجثمان نحو التجهيز، من ثم الصلاة عليه ودفنه رحمه الله.
وأود أن أشير إلى أنه في تلك الفترة كانت حرمه الأميرة أم فهد، رحمهما الله، بالمستشفى في الرياض لفترة طويلة، وتوفيت وعاد من أمريكا للمشاركة في دفنها وتلقى العزاء، وبعدها مباشرة رجع إلى أمريكا لمتابعة الوضع الصحي للأمير سلطان رحمه الله، ثم شاهدنا هذا الموقف منه حفظه الله، أثناء مراسم تشييع ودفن الأمير نايف رحمه الله، وتكرر هذا المشهد عند وفاة الملك عبدالله رحمه الله، ولم يفارقه إلا بعد أن واراه الثرى، وكان الحزن والتأثر واضحين عليه في جميع هذه الأحداث، وذرفت دموعه حزنا على فراقهم.
وبعد توليه الملك نفذ وصية أخيه الملك عبدالله رحمه الله، وعين أخاه الأمير مقرن حفظه الله، وليا للعهد، وسار على ما استحدثه الملك الراحل من منصب جديد، وهو منصب ولي ولي العهد، واختار له الأمير محمد بن نايف حفظه الله.
وما حدث لم يأت من فراغ، بل كان بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل مدرسة المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله، وهو بذلك يضرب أروع الأمثلة في الوفاء وفي التضحية، وأمام هذه الصفات والمزايا والخصال.
أقول إن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله، يحتاج من الجميع في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها العالم، إلى الدعاء ويحتاج من المسؤولين جميعا إلى مراقبة الله في السر والعلن، وإلى الصدق وبذل مزيد من الجهد والعطاء، والبعد عن حب الذات والتجرد من الهوى، والإخلاص في العمل، وأن يكونوا جميعا عونا له حفظه الله، في قيادة سفينة هذه البلاد، والوصول بها إلى ما ننشده جميعا من عز ورقي وتطور، وما ذلك على الله بعزيز، والله الهادي إلى سواء السبيل.