كان العلماء وقبل عقود قليلة فقط ينظرون إلى العقل على أنه أداة تحكم ومراقبة مثله مثل الزعيم السياسي أو قائد المعركة أو مدرب الكرة، حيث يقوم برسم الخطة ثم توزيع المهام على الأجزاء وكل جزء مسؤول عن مهام بعينها لا يتعداها إلى غيرها وحتى العام 1953 حيث قام الدكتور «وليام سكوفيل» بغرس مشرطه في جمجمة شاب فتغيرت بعدها نظرتنا إلى العقل.
تقول الرواية بأن الشاب «هنري موليزون» كان يقود دراجته وهو في سن الـ 12 فدهسته سيارة، لقد نجا بأعجوبة ولكن صرعا أصابه، الأدوية القليلة المتوفرة في ذلك الزمان لم تستطع التحكم فيه، في سن الـ 27 أجرى اختبارا بالكهرباء فأوضح أن الشحنة الزائدة قادمة من عضو يقع داخل تجاويف الدماغ يشبه إلى حد كبير فرس النهر ويدعى «الهيبو كامبوس» ولا يعلم أحد ما وظيفته بالضبط فتقرر إزالته. مع أن الرجل قد شفي تماما من داء الصرع إلا أن أمرا غريبا قد حدث، لم يستطع تذكر أي شي حدث له بعد العام 1953، لم ينطق أبدا بكلمة كمبيوتر في نفس الوقت الذي كان يستطيع رصد أحداث فلم سينمائي قديم، لا يعلم شيئا عن حرب الخليج في الوقت الذي كان يتذكر يومياته في الحرب العالمية الثانية، لم يناد زوجته باسمها مطلقا والتي تزوجها لاحقا، ينسى أسماء كل أصدقائه الجدد بل ويدعي في كل مرة يلقاهم أنها المرة الأولى التي يشاهدهم فيها، الأمر المريب هو أنه في كل مرة كان يتفاجأ وهو ينظر إلى المرآة وذلك حين ينظر إلى التجاعيد على وجهه لأن الصورة المترسخة في ذهنه عن نفسه هي صورته قبل العام 1953 وبسبب غرابة حالته فقد درس كثيرا من قبل باحثين ومهتمين وحتى 2008 أي عام وفاته كان قد كتب عنه أكثر من 100 ورقة علمية وبحثية كأكثر إنسان على الإطلاق يدرس علميا بهذا التفصيل، لقد أوضح لنا عقل «موليزون» أن العقل مترابط أكثر من تصور أي منا والمعلومات ترسل أولا إلى «الهيبو كامبوس» لحفظها بصورة جزئية فإذا تكررت المعلومة فإن العقل يستشعر أهميتها لترسل إلى أماكن أخرى لحفظها بشكل دائم وعندما يختفي الهيبوكامبوس فإنه يستحيل على الدماغ تقبل معلومات جديدة.
العقل هو أكثر الأجزاء مرونة ولديه قدرة كبيرة على تعويض الأعضاء التي أصابها العطب، عندما يبتر الأطباء قدم رجل فإنه يبقى يحس بها كأنها موجودة فيقف على قدمه ويسقط مرارا كما أنه يحس بالألم عندما يضرب أحدهم بقوة على مكان القدم ولكن يتلاشى هذا الإحساس تدريجيا فهل يعني هذا موت الأعصاب في الدماغ؟
الجواب لا، لأن الدماغ يقوم بعملية «توزيع» فيسحب الأعصاب لتساعد عمل أطراف أخرى كالقدم الأخرى واليدين ليجعلها أقوى، الكفيف يتضاعف عنده الإحساس لأن الأعصاب المتخصصة بالنظر قد سحبت إلى الأطراف، فهو يرى بيديه، الأصم يقوى عنده النظر ولديه القدرة على متابعة الحركة الخفيفة كلغة الإشارة مثلا فهو يسمع بعينيه، فاقد الأحاسيس كلها يتقوى عنده الإدراك فسبحان الخالق (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى).
كيف تعمل عقولنا؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
