تنطلق الدعوات صباح مساء مطالبة بحقوق المرأة، تارات تصدر من الداخل وتارات تفد إلينا من الخارج، وحقوق النساء من المهام الجسيمة التي أوصى بها نبينا الكريم وهو يودعنا ليذهب للرفيق الأعلى حيث قال صلى الله عليه وسلم في مرض موته «استوصوا بالنساء خيرا»، ولم يزل الإسلام تتكرر نصوصه في حقوق المرأة التي ظلمها الجاهليون كثيراً، وفي عصرنا طفحت الكتب في المقارنة بين الحقوق الرفيعة التي كفلتها الشريعة الإسلامية وبين الحقوق المخزية التي فرضتها طقوس البشر من اليونان والرومان والهند والصين ومروراً بعادات العرب البالية التي خلّد الله بعضها في القرآن ذاماً لهذه الصفات ومحذراً من اتبّاعها.
وفي عصرنا الحاضر طفحت وسائل الإعلام تنادي بحقوق المرأة ولكنها ذهبت لمنحنى خطير، وهو حقوق المرأة المترفة ونسيت أو تناست حقوق المرأة المسكينة، والترف المقصود هنا أن تجد المرأة بحبوحة في العيش فلا تحتاج لمدّ يدها أو طلب المساعدة من الغرباء، فالمترفات في السعودية مثلاً استغللن منابرهن واستعنّ بمناصريهن من الداخل والخارج للمطالبة بحرية أكبر في بهرجة الحياة وكمالياتها، مثل قيادة السيارة والسفر بدون محرم وولاية المناصب العامة وفتح النوادي الرياضية، ولست في صدد الحوار عن هذه المطالب التي أصبحنا نرى الحماس في طرحها بسبب الصوت العالي، ولكنني أثير قضية غفلنا عنها، ففي غمرة هذا الضجيج الإعلامي انزوت النساء اللواتي لا يملكن منابر إعلامية أو أذرعة خارجية وضاعت حقوقهن أو خفت صوتهن في خضم الصراع.
لننظر لحقوق المطلقات ففي أروقة المحاكم اليوم أصبحت قضايا الطلاق مرعبة فقد أصبحت أرقامها تماثل في تعدادها حالات الزواج سنوياً، ولو بحثت عن القوانين التي وضعت لحماية المطلقات لوجدتها لا تفي بحاجة العصر فالنفقة والحضانة وتوابعها ما زالت هاجساً يؤرق مئات البيوت وبسببه تشتت أسر بأكملها، ولو بحثنا في قضايا العضل في المحاكم لوجدنا عشرات القضايا المعلقة التي لم تجد من يسّرع وتيرتها ويجعلها قانوناً صارماً.
ولو تتبعنا الضمان الاجتماعي وسألنا عن المبالغ التي تعطى للأرامل وربات البيوت لوجدنا رواتب الخادمات أكثر من رواتب السيدات السعوديات، عجباً هل أصبحت أمهاتنا ومربيات الأجيال في نظر المسؤولين عن الضمان الاجتماعي أرخص من خادماتنا؟ وهل الثمانمئة ريال التي تصرف تغطي اليوم شيئاً من مصاعب الحياة.
ولو بحثنا في أروقة التعليم وما أدراك ما التعليم! لوجدنا قضايا محزنة، فهناك ألوف المعلمات في قرى نائية جداً ومع ذلك ما زلنا نرى جثثهن تتطاير مع مركبات الموت أمام عدسات الكاميرات وعلى صفحات الجرائد اليومية، وهذا غير حقوقهن في السكن الآمن في تلك القرى وبدلات القرى النائية، وإنك لتستغرب من الحماس في تجهيز صالات التربية الرياضية في مدارس البنات قبل التفكير في تجهيز أماكن الحضانة لأبناء وبنات المعلمات اللواتي هنّ قوام التعليم وعماده.
ولو بحثنا في ملفات الصحة لوجدنا عشرات الألوف من الأسر الفقيرة التي تحتاج لتأمين يمنعها من مدّ اليد للمحسنين هذا إذا استطاعت الفقيرات أو المعوزات الوصول للمتبرعين، ولا تسأل عن حالات الولادة المتعسرة أو البحث عن حاضنة صناعية بعد الولادة أو النساء ذوات العاهات أو الحاجات الخاصة وأثمان علاجهن، ولا تسأل عن حاجات ربات البيوت لمستشفى أو لمستوصف تراجع فيه صباحاً أو مساء بدون مواعيد نصف سنوية وطوابير مملة تهدر كرامتها فالمرأة تريد أن يكون لها غاية الاحترام والتقدير مقارنة بزوجات غير السعوديين من موظفات القطاع الخاص اللواتي أصبح التأمين يشملهن، ولكن هذا التأمين عجز عن أمهات أبناء الشعب.
ولو فتحنا يا سادة ملفات كثيرة تكون المرأة الفقيرة أو المسكينة جوهر قضيتها لوجدنا أننا أمام معضلة ومشكلة حقيقية، فهؤلاء النسوة هنّ الوطن الذي نتغنى به وهن مربيات الأجيال الذين سيبنون الوطن غداً، إن توفير حقوقهن أولى من التغني بحقوق المترفات وصدق رسول الله «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائك».
المرأة بين مطالب المترفين والمعوزين
خضر بن سند3 دقائق للقراءة

حجم الخط
