1 - حين ندخل عالم تويتر فإننا نضع أنفسنا على صفحة صفتها أنها مكشوفة كاشفة، وحتما سيكون سلوكنا بمثابة السيرة الذاتية لأي منا وفي حالة انكشاف تام، وهنا ستحضر أسئلة تتعلق بأخلاقيات المعرفة وحقوق التعايش اللغوي، بما أن اللغة هي سلاح تويتر وهي مرآتها المرتسمة كل لحظة من لحظات حضورك فيها، ومن هنا جاءت فكرة هذا البيان الثقافي.
2 - تعريفي لحسابي في تويتر:
(سموا أنفسكم مستقلين، كونوا دعاة سلام ومحبة، قولوا بحرية التعبير والتفكير لمخالفيكم قبل أنفسكم، قل رأيك «ولا تبالي» شرط أن تقول هو رأيي أعرضه ولا أفرضه)
3 - مدخل القول/ البيان: إذا كتبت تغريدة أعنيها لفظا ومعنى، وظلت هذه هي قناعتي فيها، ثم جاء من يرى بطلان دعواي ولا يرى لها عنده أية صدقية، فما الحل...؟!
أما الحل فلن يكون عندي ولا يصح أن أكون المدعي والقاضي وسلطة التنفيذ، ولكنه...
- أولا: حين نقول بحرية التعبير والتفكير لمخالفينا قبل أنفسنا فهذا يقتضي ألا ننازع غيرنا فيما يرونه، وأهمها فيما يقولونه عنا كرد فعل على شيء قلناه عنهم تخصيصا أو قلناه تعميما دون تخصيص.
- ثانيا: إن كل قول نقوله في تويتر هو مسؤولية أخلاقية وقانونية، ذاتية واعتبارية. ولا يمكن أن نقول إن تويتر مساحة حرة لنا ونقف عند ذلك، ولا شك أن من شرط الحرية هو أن تمنح غيرك حريته بمقدار ما تبتغيها لنفسك في تساو تام، وستترقى أكثر لو جعلتها بإيثار لغيرك وتوسيع لحقه عليك بأكثر مما تريد لنفسك. وبذا فإن تغريداتي -مثلا- هي أنا معنى ولفظا، وكل تغريدة أقولها فهي حق لي بما إني صاحبها، وهي أيضا حق لكل من يستقبلها، غير أن حق المستقبل يفوق حق القائل تبعا للمنهجية النقدية في أن النص لقارئه وليس لقائله، وهي نظرية أقول بها، وكذا لا بد أن أتمثلها سلوكا وأخلاقا ومسؤولية.
- ثالثا: حينما حدثت مشكلة بين الشيخين العريفي والغيث حول تغريدات في تويتر، ووصلت للقضاء كان رأيي المعلن حينها هو تشجيع ثقافة القضاء والاحتفال بها رغبة مني في نشر هذه الثقافة في مجتمعنا وذلك بتخليص أنفسنا من التنزيه الذاتي بوهم أن التقاضي لا يليق بأصحاب المقامات وبأن التسامح بين الفضلاء هو الأولى من التقاضي، وكأننا بهذا نقلل من شأن ثقافة التقاضي ونفترض أنها عيب يجب اتقاؤه، ولعل ما نشهده من توسطات شعبية تؤدي لإسقاط الحقوق هي بالضبط ما يضعف معنى القضاء والتحاكم حتى ليصير بمقام المعنى السلبي ونظل نصنع هذا التصور عبر براءة سلوكنا دون أن نعي أننا بهذا نهدر أهم معاني الثقافة القانونية، بما إننا نترفع عنها ونعدها عيبا لا يليق بالكبار.
- رابعا: تبعا لهذا فإن أي تغريدة تصدر عني ويراها غيري (أيا كان) تمسه أو تمس أمرا يخالفني عليه فإني أنا في هذه الحالة أصبح مادة للاختبار حول مقولاتي وهل أتمثلها أم لا، وهنا يجب علي أن أقول إني لن أملك أية صدقية أخلاقية ولا منهجية إن أنا دافعت عن قولي أو رافعت عنه، أو طلبت له عذرا، ولو حدث هذا فكأني أنقض منهجيتي وأجعلها مكيالا للتطفيف، ولا أنصف من نفسي، ولسوف يكون كلامي ومنهجي وتغريدي حجة على فكري ونسخا له، وكأنما أوبخ نفسي حسب قول أحد الصالحين: (من خالف قوله فعله فكأنما يوبخ نفسه).
- خامسا: يجب، إذن، أن أجعل من نفسي نموذجا عمليا كما أني نموذج قولي، وأتقبل حق غيري في مقاضاتي قانونيا، وهذا ليس تطرفا في القول ولا مبالغة فيه أو مثالية، بل هو لب الواقعية العملية وذلك أننا لن نصنع لمجتمعنا أية ثقافة قانونية ما لم نتمثلها بأنفسنا ونجعل أجسادنا جسورا لعبور المعاني وتحققها، وليس بأن ندافع ونرافع عن قول قلناه، ولكن بتحمل تبعات قولنا ودفع ثمنه لكي يكون القول ثمينا وصادقا ونكون نحن نماذج عملية للمعاني.
- سادسا: سيتحقق هذا إذا أعلنت عن إصراري بأن يأخذني أي شخص يرى أن قولا لي مسه أو مس شيئا ذا قيمة معنوية عنده، أقول يأخذني للمقاضاة، وأعده أنني لن أرافع ولن أدافع (أي أقبل الحكم دون منازعة عليه مهما كانت صيغته، كثمن لقيمة أحتسبها لقولي ورأيي دون تخفيضات قيمية) وحسبي أنني سأراها فرصة لإثبات أني أعني ما أقول بأن حرية التعبير والتفكير هي لمخالفي قبل نفسي، وأن الثقافة القانونية في مجتمعنا هي مطلب لنا كلنا ولن يكون للمطلب قيمة أخلاقية وعملية ما لم نجعل أجسادنا جسورا تعبر من فوقها المعاني.
- سابعا: هذا هو عهدي على نفسي وعلى تغريداتي وعلى علاقتي مع تويتر كلها في أي تغريدة تصدر عني، على أني أقطع بأن كل تغريدة تصدر عني فأنا أعنيها لفظا ومعنى، كما أن كل نظرية أقول بها فإنها تصدق علي سلوكا وليست مجرد أداة منهجية بحثية.
- أخيرا: لا شك عندي لو أن أحدا أخذ أي تغريدة لي إلى المحكمة واستصدر حكما قضائيا ضدي وحجته هي في تغريدتي كوثيقة علي لا أنكرها ولا أجادل فيها، لو فعل هذا فهو يحقق لي (ومعي) أهم مفترق قيمي في معنى أن يكون القول فعلا وتكون النظرية سلوكا، وهنا -فقط هنا- تتحقق الرمزية الأخلاقية للمغزى الثقافي، وهذا ميثاقي على نفسي بقبول الحكم وتنفيذه. وسيكون تعريفي لنفسي في تويتر عهدا علي وعلامة على صدقية أطلبها لمنهجياتي كلها، ويكون جسدي جسرا تعبر المعاني من فوقه، وليس كتابا أبيض يقنن للغير ويحصن الذات.
4 - ملحوظة لغوية:
في تعريفي لحسابي وردت جملة (ولا تبالي)، ومع أني وضعتها بين قوسين رهانا مني على نباهة المتابعين والمتابعات، إلا أن بعضا ظل يسأل، وهي كما التقطها الكثيرون تعني أن (لا) أداة نفي وليست نهيا، بتوظيف لأسلوب الالتفات البلاغي بتحويل الخطاب والدلالة من وجهة إلى أخرى، والنكتة البلاغية فيها هي في تجنب القطعية في الأمر أولا والنهي ثانيا -بتخفيف النهي إلى نفي، و»لا تبالي» حينها هي نفي للتخوف من قول الرأي، والتقدير: (وأنت لا تبالي) والرأي ليس قيمة مجانية ولكنه جوهر ثمين ولذا فإن ثمنه الحق هو في تبعاته ومن تحاشى تبعات رأيه فإنه كمن يهدر قيمة ما يقول، ولذا يكثر بين الناس ترديد العبارة بأنها كلمة عابرة أو تغريدة طائشة وما شابه هذا التوصيف الذي يعني في النهاية أن القول ليس بذي قيمة، وهذا ما لا أرتضيه لنفسي ولا لقولي، وهو عندي قول له معناه الكامل وعليه قيمته الغالية مدفوعة بكاملها ليتسق مع منزلة القول عند قائله وعند مستقبليه، دون مرافعة وتبرير ولا تهوين من ثمن الكلمة.

