يا لعبقريّةِ هذا الجنّي؛ الذي أدركَ بحكمِ خبرتِه، ما لم يُدركه الإنس، فتفطّن من قبل أن يتلبّس أحداً؛ أنّ (العدلَ) أقلّ صرامةً من (الشرطة)، وأنّ لـ»الجنِ» مع القضاةِ (وقفة خاطر)، إذ إنّ فيهم مَن كان (يرقِي) الممسوس من ذي قبل، بل إنّ منهم من لم يزل بعدُ يفعل ذلك، الأمر الذي لطالما تأذى منه «الجن» فلات حين مناصٍ من الانتقام، والذي سيكون أشدّ إيلاماً حينما يكون بذات الآلة!!. بينما ليس في «الشرطةِ» من أحدٍ يحسن النّفث على أيّ لدغةٍ حتى لو كانت «عابرةً» فضلا عن أن يقووا على «معيون/ محسود»!. ومن هنا يمكن القول بأن الشُّرط في منأىً بعيدٍ عن متناول أيدي الجن!
بحقٍّ.. لستُ مع مَن يرى أنّ جدار «القضاء» ظلَّ قصيراً؛ فصار بالتالي يسَعُ حتى الحمقى، مِن أن يتسوّر محاربه، دون أيّ اعتبارٍ لكفاءةٍ أو لمشقّة!!.. ولعلّ هذا ما أغرى «الجنّي» في التجاسر على أن يتلبّس أحدهم، ليُجري أحكام (الجان) على لسان إنسيٍّ ما فتئ يُحصّن نفسه بالأوراد!
وعلى أي حالٍ.. هناك من مضى إلى ما هو أبعد من ذلك، بحيث راح يقرأ الأسبابَ التي جعلت «الجان»، ترغب أن تتلبس «القضاة»، فيما ترتعد فرائص -الجن- إذا ما فكّرت أن تدنو من وادي «رجال الشرطة» رَهَباً منهم، فزادتهم «الشرطة» رهقا!
وقد جاءت قراءته للأسباب على هذا النحو:
- أنّ الجنَّ قد خلقت من نار السّموم وليس من شيءٍ يثير سخط رجال الشرطة أشدَّ من «العبث بالنار» وما التّلبس إلا حالة من عبثٍ ناريٍّ كانت له الشرطة بالمرصاد!
- من عنان «الباريه» إلى أخمص «البسطار» الزيّ الذي يميز رجال الشرطة من «القضاة» لئن كان -هذا الزيُّ- سدّاً منيعاً في وجه «الجني» فأعجزته «الحيلة» إذ ذاك من أن ينفذ إلى جسد الشرطي فإن ما عليه القاضي من لُبسٍ فضفاضٍ قد جرّأ الجني على أن يتلبّس هذا الأخير ويتحدّث بالإنابة عنه.
- بما أنّ التوصيف بـ(فضيلة الشيخ) هي الصفة الاعتبارية -والتي لا تغادر القاضي في صغيرة ولا كبيرة إلا اصطحبها بمعيّته- فإنّه ليس لـ»الجنّ» من عداوةٍ إلا مع أرباب هذه «الألقاب» الأمر الذي جعل نشاطات الجن في مسألة التلبّس كلها مصروفة لأصحاب الفضيلة، ولم يتبقّ لـ»الجن» من فضلِ وقتٍ حتى ينفقونه في تتبع أيّ شرطيٍّ كبيرة كانت رتبته أو صغيرة!
- ليس لدى رجال الشرطة «ابن تيمية» في الأثناء التي يمتلك فيها «القضاة» إرث ابن تيمية كله والذي يفتقر كثيرا لعملٍ نقديّ/ تحقيقي (اقرأ مقالة كتبتها في الشرق بعنوان: هذا ليس ابن تيمية إن هو إلا جني كريم على منهج السلف).