لم يدر بخلد «صالح» أنه ذات يوم سيفترش الأرض ويلتحف السماء، دون أن يسأل عنه أحد، يهيم بثياب متسخة تلاحقه نظرات الازدراء سنوات طويلة، وهو يأخذ ما يحتاج إليه من طعام وشراب بالقوة وتحت تهديده للمطاعم المجاورة بتطفيش زبائنهم، إلا أن تلك النظرات لم تلبث أن تحولت إلى نظرات عطف وشفقة بعد أن داهمته الأمراض التي على إثرها بترت قدمه، ليبقى ممددا على الرصيف في مكان لا يليق بإنسان، تحيط به أعقاب السجائر وبجانبه عربة يتنقل بها، وراديو صغير يدير موجاته ببطء، لعله يسمع من خلاله ما يعينه على سقم آلامه بعد أن رفض التفوه بكلمة واحدة سوى «لا» ودون أن يحمل إثباتا لشخصيته.
ويروي محمد النجار، أنه رأى «صالح» للمرة الأولى في عزيزية مكة المكرمة قبل تسعة أعوام، وكان صامتا طوال اليوم، ويدخن بشراهة، وكان يتمتع بصحة جيدة، طغى وتجبر بها على كل من لم يرحم حاله وقلة ماله، بعد أن فقد الأمل بأن يمدوه بكسرة خبز أو شربة ماء، إلى أن مرض بعدها وبترت قدمه ليبقى على وضعه الحالي، يأتي إليه بالطعام نفس الأشخاص الذين كانوا يمنعونه عنه، ويأخذه منهم بالإكراه.
وذكر بشير المصباحي أن صالح كان يأتي إليه بالمطعم كل يوم مساوما على سد رمق جوعه أو الوقوف أمام باب المطعم لإزعاج الزبائن و منعهم من الدخول والخروج، وبعد أن بترت ساقه، أصبحنا نذهب له بالأكل في موقعه.
وبين أحد رجال الأعمال في العزيزية، رفض ذكر اسمه، بأنه ذهب إليه مرتين متتاليتين لإقناعه بالسكن في شقة صغيرة، وعلاجه على نفقته الخاصة، إلا أنه في كل مرة يرفض كل المساعدات ولا يريد سوى الأكل وشرب السجائر.
وتساءل ياسر بكر وحسين وعادل الشريف عن سر ترك مثل صالح وغيره يهيمون في الشوارع بأجساد عارية أو متسخة، دون أن تكلف إحدى الجهات المسؤولة نفسها بمتابعتهم، وكأن الأمر لا يعنيها، موضحين في الوقت نفسه خطورتهم على الناس وما يبثونه من رعب في نفوس المارة من السكان أو مرتادي الأسواق التجارية من المعتمرين الذين يستغربون من كثرتهم داخل العاصمة المقدسة.
صالح.. ارتضى العيش صامتا وسط همومه
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
