الوهم هو مجموعة من الأفكار التي يتبناها الإنسان نتيجة قناعات ثقافية وممارسات مجتمعية واعتقادات دينية. والعيش في الوهم هو نتيجة حتمية ومتوقعة لمجتمع يقدّس الخرافة ويعطّل العقل والتفكير، ويتعالى على المعرفة والحقيقة. وأسوأ أنواع الوهم هو الوهم المغلف بالدين الذي يسيطر على عقليات الناس بسبب التجييش العاطفي الذي يخلو من الاستدلال المنطقي والعقلي. يقول ابن خلدون «إذا أردت أن تتحكم في الجاهلين فغلف كل باطل بغلاف ديني».
وفي مجتمعنا كثير من تلك الأوهام التي كنّا نتوقّع شرعيتها، وأنها من أساسيات الدين، وأنها من رضا أو سخط الله، ومن يحاول تكسير تلك الأوهام وتبديدها تُعلن الحرب المقدسة عليه، ويقذف في عرضه ويشكك في دينه ووطنيته ويشهّر به على المنابر والمجالس ووسائل التواصل الاجتماعي، وتستعدى السلطة والمجتمع ضده. ومن تلك الأوهام مسألة (تغطية وجه المرأة)، والذي قيل لنا إن جميع المذاهب الإسلامية أجمعت على وجوبه، وإن من لا يرضى به فإنه ديّوث، وأصبحت هذه المسألة وسيلة تقييم لـ (دين) المرأة ودين محارمها، واتهمت نساء العالم الإسلامي بأنهنّ آثمات عاصيات، فاكتشفنا بعد التحرر من القيود أن هذا الكلام غير صحيح، وأن المذاهب الإسلامية لم تجمع على ذلك، بل كان الخلاف الشرعي فيها منذ القديم بين علماء الإسلام، وأن مسألة غطاء الوجه هي شيء من العادة الاجتماعية وليس من الشرع، وأن المسألة هي اختيار للمرأة في طريقة وضعها للحجاب، ولم يصل الخلاف لما وصل إليه في العصر الحاضر وبالذات من أتباع المدرسة السلفية وأتباع ما يسمى بالصحوة الذين ليس لديهم أي اعتبار أخلاقي أو أدبي لمن يخالفهم الرأي.
في الأيام الماضية خرج الشيخ أحمد الغامدي في برنامج بدرية البشر على قناة (إم بي سي) بهيئته التقليدية للمتدين السعودي وبجانبه زوجته في مشهد كان يفترض أن يكون مشهدا طبيعيا وعاديا، ولكن ردة الفعل التي صاحبت الموضوع كانت صارخة وصادمة للتيار السلفي والصحوي لدرجة الهذيان بعبارات لا تليق بأن تخرج من مراهق وجاهل، فضلا عن ممن يدّعون المشيخة ويصفون أنفسهم بالدعاة وطلاب العلم. والعجيب أن منهم من أشاد قبل فترة بزوجة إردوغان وحجابها في تناقض غريب من موقفهم من الغامدي وزوجته، ولعلهم تناسوا أن مجتمعنا إلى وقت قريب كانت المرأة فيه كاشفة وجهها ولها الحشمة والكرامة والاحترام.