تبني جميع الفتيات أحلاما، وترسم آمالا، وتضع مواصفات خاصة في فتى أحلامها، وتنتظر بفارغ الصبر أن تعيش ليلة العمر ولحظة زفافها، لتعيش حياة وردية رسمها خيالها لسنوات طويلة، وبعد زفافها، إما أن تعيش الفتاة تلك الحياة التي رسمتها أو تكون قريبة منها، وإما تنهار أحلامها ويتعثر استمرار عشها الذي تحول إلى شقاء وتعاسة، وتختتم رحلتها عائدة لأسرتها بمرارة التجربة وقسوة نظرات المحيطين بها.
ويصاب كثير من المطلقات بالإحباط، وترمى بالفشل والقصور، وتعلق عليها كل أسباب الفشل، كما أنها تواجه حصارا من المحيطين بها وأحيانا ينظر لها الآخرون بشفقة على حالها.
نظرة دونية
وقالت المطلقة نجلاء: مررت بتجربة قاسية وظروف مريرة، فبعد سنوات من الزواج والصبر على معاناة عشتها مع زوجي انفصلت عنه، ووصفني إخوتي بأنني جلبت لهم الخيبة والعار وكأنني مذنبة، ومع ذلك لم أستسلم لأحاديث الناس عن تجربتي وأنني السبب فيها، إلا أن هذا الحدث قتل أحلامي وأصاب أطفالي بصدمات نفسية أثرت على حياتهم، كما أثرت على علاقتي بمحيطي.
اضطهاد نفسي
أما المطلقة نجلاء وهي أم لطفلين في بداية حياتهما، فتقول: عاش ابناي لحظات اضطهاد بسبب ابتعادهما عن الجو الأسري الآمن الذي يعيشه الأطفال في سنهما، لكنني أصررت على معالجة تلك المشكلة، كما أنني ألقيت حديث الناس جانبا وبدأت في تكوين ذاتي اجتماعيا من جديد، فتعايشت مع واقعي، إلا أن ما يقلقني هو أوقات الفراغ التي حاولت أن أقضي عليها من خلال التحاقي بالجامعة أو معاهد لأكمل تعليمي، لكنني واجهت رفضا من إخوتي لتلك الفكرة واستسلمت لرأيهم.
ليس طلاقاً
لا تكوني أنثى تحتاج الرجل، بل كوني أنثى يحتاجها الرجل، كلمات قالتها المطلقة سجى، رافضة نظرة البعض الدونية إلى المطلقات، مطالبة باستبدال تلك الكلمة بأخرى مثل المنفصلة، وعليها ألا تلقي بالا لحديث الناس عنها وعن تجربتها، بل واجبها أن تصب اهتمامها على حياتها المقبلة ومعايشة الواقع بعد تجربتها في الانفصال.
علاقة سرية
ووصف المواطن عبدالعزيز العتيبي الطلاق بالوباء المنسي، وعلينا أن نعرف جيدا أن قضيه الطلاق، هي علاقة سرية جدا بين كل من الزوجين، حتى ولو اطلع بعض المقربين لهما على تفاصيل منها، إلا أنه تظل بعض الكلمات والأسرار لا يمكن البوح بها أمام الآخرين.
وتساءل لماذا تشير كل أصابع الاتهام إلى المرأة، وكأنها سبب رئيس في حدوث الانفصال، متناسين الطرف الآخر! أليس جزءا من تلك المشكلة؟ أو ربما يكون هو السبب الرئيس في حدوثها!
التنازل عن الحقوق
من جانبه أوضح الناشط في مجال الأسرة والمهتم بشؤون المرأة سعيد القحطاني أن النظرة للمطلقة تدفع بعض الأزواج إلى اضطهاد زوجاتهم ويهددهن ويخوفهن بالطلاق، وتلك النظرة القاصرة تجعل من الزوجة كائنا ضعيفا أمام زوجها لأنها تخاف الطلاق، فتتنازل عن كثير من حقوقها، إن لم يكن كاملها خوفا من هذا العار الذي سيلحق بها، وللأسف ينظر كثير من أفراد المجتمع إلى المطلقة على أنها وقعت في شر أعمالها، وأنها مثيرة للمشاكل، ولا يتقدم لخطبتها إلا رجل مسن أو ذو عاهة ممن رفضته الأبكار.
نظرة قاصرة
وتشير الاستشارية عواطف العبدالله إلى أن كلمة مطلقة تعني حُرة بلا قيود، والحقيقة أنها قد تكون كسيرة ووضعها النفسي سيئ، وعليها أن تثق في أن الله سيعوضها خيرا، وستزول جراحها الغائرة، لكن تبقى نظرة الإنسان نحوها قاصرة.
وأضافت المستشارة الاجتماعية نورة آل الشيخ أن الطّلاق آفة العصر ويكثر حدوثه اليوم في مجتمعاتنا، وبحكم العرف الاجتماعي تتحمل المطلقة وحدها وزر هذا الانفصال، وفي كثير من الأحيان تغدو المطلقة كيانا مفزعا تبتعد عنه الصديقات، لذا تفضل كثيرا من النساء أحيانا أن يعشن حياة صعبة مع أزواجهن، وأن يخضعن لظروف قاسية، على أن يقدمن على الطلاق لما تعانيه المرأة من تبعات تلقى على كاهلها وحدها فقط في مجتمع يحمّل النّساء أكثر مما يحتملن.
معاناة وريبة
وأشارت إلى أن البعض ينظر للمطلّقة بعين الرّيبة والشّكّ، ويحمّلها المسؤوليَّة دون الرَّجل، وكم دفعت نساء حياتهن ثمنا لصبرهن على سوءة الزوج وعنفه وانحراف سلوكه لأن المجتمع يفترض أنّ واجبها أن تتحمَّل المشاكل الّتي تواجهها، وقد يزيد الأهل أحيانا من وطأة هذا الخيار، حتَّى لو دفعت إليه المرأة دفعا، فتصبح ضيفا ثقيلا عليهم، تتعرَّض للضّغوط من قبلهم لأتفه الأسباب، كما أنّ حركاتها وتصرّفاتها تخضع لمراقبتهم المستمرَّة.
دور حكومي
وطالبت آل الشيخ بدور حكومي أفضل لمساعدة المطلقات على مواجهة الحياة، من خلال تحديث نظام الضمان الاجتماعي لتخفيف صدمة الطلاق عليهن، بالإضافة إلى وجوب الربط الآلي بين محاكم العقود والأنكحة والضمان الاجتماعي لتسجيل المطلقات مباشرة إذا رغبن أن تحاسب الجهات المختصة الأزواج الذين يتهربون من توثيق الطلاق رسميا إمعاناً في إيذاء مطلقاتهم وحرمانهن من الدعم الذي يستحققنه.
كما ينبغي على جميع الجهات المعنية المدنيّة والرّسميّة والاجتماعيّة والتّربويّة والإعلاميّة، أن تعمل على دراسة الأسباب التي تؤدي إلى الطّلاق، والتكاتف معاً للوصول إلى حلول ناجزة تساهم في الحدّ من حدوث المشاكل الأسرية ومعالجتها ومساعدة المطلّقة وتفهّم ظروفها، وتخفيف الضغوطات التي تواجهها.

