تتجه رواية (الجحيم) لدان براون لسطح ملتهب، متوتر (محبب في عالم الأدب الخالص)، بفعل ذلك الزخم الهائل من الفنون والرموز والأيقونات والنصوص، التي تتسابق لأن تجد لها حيزا ممكنا في تلك (الحوارية) الفنية الصاخبة، التي تجري فعالياتها الروائية على ذلك السطح (العميق)! ينحاز براون -هذه المرة- إلى نداءات المبدعين (الأكثر روائية) بعد أن فتن -طويلا- بإعلانات (الأكثر مبيعا).
رواية (الجحيم) لبراون يمكن مقاربة قيمها الفنية العالية من خلال حوارية عناصرها وخصوصية فضاءاتها واللعبة المدهشة لزمنها (المكبسل)، فالعمل كرنفال حواري هائل بين متن الحكاية ومبنى (الرواية)، كأنه ذلك الفعل ذاته الذي يسميه كونديرا «بالتضاد الروائي.. الذي هو مزيج من اتحاد الفلسفة بالحلم والقصة، فتبنى القصة فيه على مستويين: الحكاية والثيمات السردية»، وهو (حوارية) كبرى بين النصوص الأدبية والفنية والتاريخية والمعمارية المتنوعة، إذ يلتقي فيه النص المكتوب في (الثقافة الإسلامية) بالنص التصويري في (الثقافة المسيحية) والبناء المعماري لمدينة (ديزنيلاند) بمآذن الجامع الأزرق في مدينة إسطنبول. كما يجتمع داخله في -سياق فني واحد (الكوميديا الإلهية) لدانتي، بلوحة الفنان الإيطالي بوتشيلي وإحدى المقطوعات الموسيقية لفاجنر وتشايكوفسكيو الجدارية الأيقونية لميكيلينو، وفي اللحظة المتناغمة ذاتها، تتابع تلك الحوارية بلوحة (القيامة) لمايكل أنجلو وجدارية ليوناردو دافنشي.. وهكذا! كما أن المكان في الرواية يكتسب قيمته من ذاته، من أصدائه وأمدائه وآثاره، وليس بكونه (مسرحا) معدا لأن تجري فوقه أحداث الرواية فحسب. يتجلى ذلك المكان في مدينة فلورنسا الإيطالية بحدائقها وأبراجها وكنائسها وشوارعها، وما توحي به هذه الأرجاء من أصداء وتأثيرات، وفي مدينة (البندقية) التي توفر لشخصياتها «مساحة سمعية متسعة للمزيج غير الآلي من الأصوات البشرية وهديل الحمام وعزف الكمنجات»، على خلفية إيقاع الماء الذي ينساب خاشعا بفعل القوارب ذات الحنين! وفضاءات الجحيم الثرية المعقدة، تتسق مع شخصياتها الغارقة بتعقيدات الفنون وتجليات الرموز.
أما زمن الرواية فيختزله الكاتب في لحظة مكبسلة (جدا) تمتد ليوم واحد فقط، حشد فيه براون بحرفنة الفنان أحداثا كثيرة هائلة من الحياة والموت والبحث المستميت عن الثيمات والأسرار داخل المعابد والمتاحف والطرقات في مدن مشبعة (بأزمان الفن) كفلورنسا والبندقية وإسطنبول!
(جحيم) براون.. (جنة) الفنون!

