بعد سقوط النظام البعثي في العراق عام 2003 تشكل مجلس الحكم لإدارة شؤون البلاد في 12 يوليو من عام 2003 على أساس الشراكة الوطنية أو المحاصصة وأخذ كل مكون حصته في رئاسة المجلس بشكل دوري، وحتى عندما حل المجلس عام 2004 وحلت محله الحكومة العراقية الموقتة التي تكونت من أحزاب وقوى سياسية مختلفة كانت في السابق تمثل معارضة للنظام العراقي السابق وظلت البلاد تحكمها سياسة المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية أو الديمقراطية التوافقية أو الشراكة الوطنية كما يحلو لبعض الأحزاب أن يسميها، على الرغم من كل عيوب ومثالب هذا النوع من النظام السياسي، فإنه هو النظام الأنسب والأصلح للطبيعة الديموغرافية والاجتماعية والإثنية والطائفية المتناقضة للعراقيين ولا مهرب ولا منجى للأحزاب والكتل الكبيرة من اعتمادها في إدارة البلاد، مهما ارتفعت أصوات البعض وعلى رأسهم «المالكي» ومن يعوم عومه، باعتماد الأغلبية السياسية في المرحلة المقبلة «فترة ما بعد الانتخابات» وبمشاركة جميع مكونات الشعوب العراقية لتقوية البلد بعد أن أضعفته حكومة المحاصصة السياسية أو الشراكة الوطنية التي لم تقدم إلى العراق غير الأزمات المتتالية وجعلت العملية السياسية عرضة للابتزاز والمشكلات على حد تعبير أحد أعضاء ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي، ناسيا أو متناسيا أن الحكومتين اللتين شكلهما «نوري المالكي» عامي 2006 و2010 لم تكونا حكومة شراكة وطنية ولم تمتا إليها بصلة، بل كانتا حكومتين خاصتين بشخص «المالكي» وحزبه، بعد أن أقصى الأحزاب والكتل السياسية الرئيسية في البلاد من المشاركة في الحكم وأخضع مؤسسات الدولة المهمة لسلطته وتفرد باتخاذ القرارات المصيرية للبلاد دون العودة إلى الدستور والإجماع الوطني وتصرف وكأن العراق ضيعة تابعة له ولحزبه، فليس صحيحا أبدا أن الوضع في العراق تأزم واتجه إلى الهاوية في ظل حكومة شراكة وطنية أو المحاصصة، كما يدعي أعضاء الحزب الدعوة الحاكم، لأنها لم تكن موجودة أصلا والحكومة الوحيدة التي كانت تحكم العراق منذ 2006 وفي ظلها واجه العراق المصائب والأزمات تلو الأزمات ولم ير الخير قط، هي حكومة «المالكي» الدكتاتورية الطائفية، لو قسمت هذه الحكومة السلطة على المكونات الأساسية في العراق والشركاء السياسيين بعدالة وإنصاف، ولم تحصرها بيدها، لما آلت الأمور إلى ما عليها الآن.. فأين الشراكة الوطنية من تولي المالكي عمل كل الوزارات المهمة في البلاد «وكالة» وإخضاع المؤسسات المالية والقضائية لهيمنته الشخصية؟
وقد حاول الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في الإقليم والتي تغيرت على إثرها المعادلة السياسية بدخول حركة التغيير المعارضة في لعبة السلطة، وتراجع فيها دور حليفه الاستراتيجي الاتحاد الوطني الكردستاني، حاول أن يكسر القاعدة السياسية التي ظلت لأكثر من عشرين عاما راسخة في الإقليم ويتجه إلى تكريس نوع من الأغلبية السياسية في الحكم، ولكن إصرار الاتحاد الوطني الكردستاني على الإبقاء على سياسة «المحاصصة الحزبية» وتلويحه باللجوء إلى خيارات سياسية لا تصب في صالح العملية السياسية في الإقليم ، مثل تقاربه مع حزب «الدعوة» الحاكم من خلال زيارة القيادي في الاتحاد الوطني «عادل مراد» لنوري المالكي، وكذلك قيامه ببعض المناوشات في مدينتي السليمانية وكركوك، دفع برئيس الديمقراطي الكردستاني «مسعود بارزاني» بعد تأخير تشكيل حكومة الإقليم لأكثر من سبعة أشهر إلى العودة ثانية إلى سياسة المحاصصة ولو من النافذة عندما كلف رئيس الحكومة «نيجيرفان بارزاني» ونائبه «قوباد طالباني» بتشكيل الحكومة، مع أن البروتوكول المعمول به عالميا يقتضي أن يكلف رئيس الجمهورية أو رئيس الإقليم فقط رئيس الوزراء وليس الاثنان معا.
لقد أثبتت التجارب أن العراق بتنوعاته العرقية والدينية والطائفية المعقدة لا يمكن أن تحكمه «أغلبية» من أي نوع، أغلبية عربية أو سنية أو شيعية أو كردية أو أغلبية سياسية التي يدعو إليها المالكي وأعضاء ائتلافه اليوم بعد أن فشلوا في إدارة البلاد لدورتين بأغلبية طائفية، وإذا كان المالكي لم يحكم العراق بنزعة طائفية، وهذا غير صحيح، بدليل تحالفه الاستراتيجي مع رأس النظام الطائفي البعثي في سوريا «بشار الأسد» وإمداده بالأموال والأسلحة والعتاد؟ وعلاقته المتينة مع إيران وحزب الله اللبناني والأحزاب الشيعية في البحرين، فلماذا يصر هو وائتلافه على أن منصب رئيس الوزراء يجب أن يكون من التحالف الوطني الشيعي ومن نصيبه؟!
مهما طبل وزمر المالكي للأغلبية السياسية، فإنها ستمنى بفشل ذريع كما منيت الأغلبية «القومية» التي كان «صدام حسين» يدعو لها ويحكم بها العراقيون باختلاف أعراقهم، بالفشل، فلا يمكن أن تحكم طائفة أو أمة بذاتها الأمم الأخرى في العراق وتقودها مهما كانت الذرائع، والحل أن توزع السلطات على المكونات العراقية المختلفة وفق استحقاقها الانتخابي، وبشكل عادل، في إطار شراكة وطنية حقيقية،
لا مجرد كلام لخداع الآخرين.