من أساسيات التطوير والإصلاح إعادة النظر بين الحين والآخر في الوضع القائم، وتقييم مستواه، وتلافي سلبياته، وتعزيز إيجابياته، ولهذا كان من المفرح نبأ إعادة هيكلة وزارة التربية والتعليم، إذ إن مشروع تطوير التعليم في الميدان مرهون بإصلاح وضع الوزارة، ومعالجتها مما أصابها من ترهل تراكم عبر عقود طويلة. وقد أصبح مفهوما وواضحا أن كثرة تجارب الوزارة الفاشلة مردها إلى خلل كبير في الوزارة نفسها، ولهذا وجب إصلاحها بهيكلة جديدة، ستتضمن ضخ دماء قيادية جديدة من الجنسين، فالكفاءات في بلادنا كثيرة وهي لا تحتاج سوى إتاحة الفرصة والدعم.
وإذا كانت وزارة التربية قد أخذت زمام المبادرة في إعادة الهيكلة لتطوير وإصلاح ذاتها، فإنها ليست الوحيدة المحتاجة لهذا العلاج المتاح، بل هناك وزارات كثيرة تحتاجه. وإذا كان التعليم يعد أهم زوايا مثلث ما يجب مقاومة نقيضه (الجهل والفقر والمرض) فإن الصحة وسد الحاجة لا يقلان أهمية عنه، ولهذا فقد تكون إعادة الهيكلة فرصة لعلاج أدواء الوزارتين العتيدتين (الصحة والشؤون الاجتماعية)، وذلك حتى يتواكب تطوير التعليم مع تطوير الصحة والشؤون الاجتماعية خلال السنوات الخمس القادمة. ولعل وزيري الصحة والشؤون الاجتماعية يبادران إلى ما بادر إليه وزير التربية والتعليم فيتبنيا إعادة هيكلة وزارتيهما بصورة جذرية، فأخطاء وتقصير الوزارتين كثيرة، وترهلهما ملحوظ، وإصلاح نشاطهما في الميدان مرهون بإصلاحهما من الداخل. وقد سبق أن كتبت مطالبا وزير الصحة المكلف بأن يسعى لإزالة العوائق من طريق المخلصين في الوزارة، وهم كثر، والعوائق أمامهم كثيرة. ولعل إعادة الهيكلة تكون فرصة ذهبية للتنظيف والتطوير. ومثل هذا يمكن أن يقال عن وزارة الشؤون الاجتماعية وغيرها من الوزارات، ولكني هنا أخص وزارتي الصحة والشؤون، لأنهما أهم وزارتين بعد التربية والتعليم في تماسهما مع حياة الناس وحاجاتهم اليومية، وهما مع التعليم تكملان أهم شرط من شروط نهضة أي بلد، حيث (الجهل والفقر والمرض) أشد أعداء البشرية في كل عصر ومصر. ولا شك أن العلاقة التكاملية بين وزارات (التربية والتعليم، والصحة، والشؤون الاجتماعية) تتطلب شمولية الإصلاح والتطوير لها كلها، وهو ما يأمله كل مواطن محب لوطنه، فالإمكانات المادية والبشرية متوفرة، وإعادة الهيكلة تعني بصورة أساسية إصلاح أوضاع الإدارة في أي قطاع، ولا أظن أن أحدا يختلف معي في أن أزمتنا في كثير من القطاعات - خاصة الخدمية - هي أزمة إدارية بالدرجة الأولى.