يشير حوار مع وكيل وزارة الشؤون الإسلامية للشؤون الإدارية إلى عدد المساجد والجوامع في المملكة الذي يقارب أربعة وتسعين ألفًا. وإذا افترضنا أن عدد الجوامع يصل إلى ثلث العدد، فإن ذلك يعني أهمية هذه الجوامع والخُطب التي تُلقى فيها، ولك أن تستمع إلى عدد من الخطباء داخل الوطن يوم الجمعة في وقت واحد، وقد طرح كل واحد من أولئك موضوعًا عالج به فكرته من منظور مختلف، ما يمكن أن يؤدي إلى تباين الأفكار وتباعد الرؤى. وتتفق تلك الخُطب في كونها صادرة من أهداف نبيلة وغايات حسنة، لكن تلك الأهداف والغايات لا تمنع من وقوع بعض الهنات، إذ تراوح تلك الخطب بين الجيد والمقبول، ومنها ما يصل إلى مرحلة التميز، كما أن منها ما يصل إلى مرحلة الضعف.
ولو دققنا النظر إحصائيًا في ذلك فإن السؤال سيكون: كم خُطبة دونت في يوم واحد؟ وكم خُطبة ستدون في شهر؟ ومثل ذلك في عام واحد؟ وكم خُطبة في عشرة أعوام؟ أما على المستوى الكيفي فستصبح أسئلتنا مختلفة، مثل: ما الذي سيبقى من الخُطبة متداولًا للقراءة؟ وللأجيال القادمة؟ وما الذي يمكن أن تضيفه تلك الخطب إلى تاريخ الخطابة؟ وما الذي سيستعيده خطباء آخرون منها؟ وما الفرق الذي يحققه من يستمع إلى خُطبة في جامع مركزي، وذلك الذي يستمع إليها في إحدى القرى البعيدة؟ وكيف يمكن أن نفيد من وجود خطيب بارع في موقع ما لا نتمكن من الوصول إليه؟ وما الفرق بين خُطبة من ناضج بلغ أشده معرفيًا وخُطبة من لم يصل تلك المرحلة؟
كل تلك الأسئلة تضعنا في موقع التباين والاختلاف، الذي يصل أحيانًا حدّ التنافر والتضاد. ولما كان الإسلام قد بُني على الوحدة والتوحيد، ودعا إلى ممارسة موحدة يوم الجمعة، وعارض التشتت والتفرق، ولما كنا نعيش عصرًا إلكترونيًا يسهّل وصول الخُطبة المدونة إلى خطباء الجوامع في لحظة واحدة، فإن الحاجة إلى مراجعة مبدأ توحيد نصّ الخُطبة على مستوى المملكة أضحت ماسّة، ومن الممكن تجربته أولًا على مستوى المناطق، ومن ثم التدرج به، إذ يمكن أن يقدم ذلك تجربة ثريّة للإبداع والرقي بمستوى الوعي فيها، ينتقل فيها نص الخُطبة من نصّ تغلب عليه الشفاهيّة، إلى نص كتابيّ، حيث يُستكتب المتميزون منهم، ويستفيد بذلك الشباب، وسيُستفاد من خمسين نصًا رصينًا سنويًا بنشرها وتوزيعها داخل المملكة وخارجها، وبالتأكيد ستكون هذه الكتب خلاصة تجربة وثمرة فكر رصين، تعمم على آخرين في بلدان أخرى، قد تكون بحاجة إليها، لذلك فإن اقتراح توحيد نصّ خُطبة الجمعة يظل أمرًا من الممكن أن يؤتي ثماره، ويضيف إلى خُطبة الجمعة وهجًا معرفيًا للجميع، يتحقق من خلال روح تنافس وثابة، تحققه تلك الخبرات المؤهلة في الجوامع الكبيرة، وتعم به الفائدة. ويظل هذا مناطًا بوزارة الشؤون الإسلامية التي ينبغي أن تعيد النظر في هذا، وتتأمل في تجارب تعيشها بعض البلدان نتيجة توحيد نص خُطبة الجمعة.