يدون التاريخ لحظة بلحظة أن الحياة ليست أزهارا وقطرات مطر، بل مآس ومتاعب وصور شتى، ولم يفت التاريخ أن يسجل ملاحظاته مراهنا على أننا نفتقد لأشياء عزيزة، ونرى أمورا كئيبة من صنعنا على مر الزمن.
الأفكار النابعة من عقول مأزومة وأخرى منبعها الجاهلية الأولى، بذرة لكل وباء وعِلة، التاريخ يعرف كل شيء، الأسرار والأفكار، وما خفي وما شاع، وما يظهر، وما سيكون.
زلات متعثرة أجهضت أحلام الحالمين، وغيرت مسار حياتهم إلى الجحيم، أو إلى الركن الباهت يأوون، من هذه النكسات إنسانية المصدر، وهو ما تختزله ذاكراتنا المحدثة باستمرار، والتي قيد التحميل، وبين هذه الدوامة تسمع وتلمس نبضا غير دافئ ينبعث من صدور البعض، لينبجس بعد ذلك إلى مشهد بائس لإخواني قاعد وضمير يشوبه السواد على صفحات بيضاء كالحليب، يتجلى في صورة ضبابية التقطت في ساعة موبوءة لتنتشرعبر رسلها إلى حيث تكبر الأحلام، فتفسد نموها الجميل، وتغلق عليها منابع النور ومساكب الشمس.
يخرجون على كل شيء حتى على جمال التفاح وزهور البنفسج، يفترون على الحال مهما كانت أزهاره تسر الناظرين وثماره ناضجة، يرجمون الحالة الناصعة، وإن كانت شمسه مشرقة متوهجة، لكنهم بعثراتهم الموجعة جعلوها كاسفة تغرب بحزن، ينفّرون الآخرين من عطر الحياة ورحيقها، ليبقى غولهم جاثما بالخطايا في متاهات من ألم وشرود، إننا نعيش أزمة فكر طاحنة من فئة غير نزيهة ولا واقعية.
انطبقت عليهم صفة الإرهابيين، فإرهابهم بالكلمات والأفكار والآراء والمبادئ الفاسدة أشد خطرا، أولئك هم الغلاة الذين أدمنوا حمل السلاح ورائحة المواجع والدم، هؤلاء الذين يستترون بلباس الدِين شكلا، لكنهم في نياتهم موسوسون يسلبون من الحياة عفتها.
في جهاتك الأربع تجدهم مأزومين متورمين، يبحثون عن أي ثغرة كي يلجوا منها إلى الفساد والتوغل في عقول النشء وحتى المدركين، في الجهات التربوية يسكنون، حيث وجدوا شيئا من الدفء لأفكارهم لتورق سموما وعفنا.
إن تطهير الأماكن يجب أن يكون من كل الفئات المجتمعية، وفي كل مكان من هذا الوطن المستهدف من بعض أبنائه المتورمين عقديا ونفسيا، وزارة التربية والتعليم عليها واجب التطهير من أفكار بعض المنتسبين إليها. الذين شكلوا ثقافة التقهقر والتشرذم والعنف، يقتلون الوطن بسكاكين الكلمات والأفكار الهدامة، ثم يورثونه للتلاميذ في المدارس بطرق لا تخطر على البال، مطالبون جميعا بتطهير هذه البؤر وتعقيمها والتصدي لغلاة الوطن.