صاحب السعادة لقب يحوزه من يرتقي الدرجات العلا في سلم الوظيفة، البعض توهب له منحة، والبعض الآخر يستمدها من تعليمه وجهده وصبره.
بالنسبة لي لا أحب أصحاب السعادة ولا طقوسهم في العمل والتعامل، بعضهم يصبح بين عشية وضحاها تقيا ورعا، والبعض الآخر يتلبس المواطنة الصالحة قناعا وإزارا ورداء، وفي الغرف المغلقة تتلبسه المصلحة والتجاوز، فيصبح أيقونة فساد ومدارا لكل شخص مقصر أو من سيصبح كذلك مستقبلا.
صاحب السعادة الذي أتحدث عنه، رجل حاصل على أعلى الدرجات العلمية، توج ذلك ببورد غربي خوله بأن يكون الأول في منظومة العمل التي احتوته ممارسا ومديرا، شكله يوحي بأنه أصغر بكثير من عمره الحقيقي، له عينان تجيدان قراءة البشر، له قاعدة بيانية إنسانية ضخمة تساعده ليقيس من خلالها نوعية البشر الذين يتعامل معهم، منفتح بشكل لا يتصور، يسمع من الجميع، ولا ينفذ إلا ما يقتنع به.
الناس منقسمون في تقييمه إلى فريقين، فريق يتهمه بالتعسف والفوقية، وصفوه بالحجاج في قراراته الإداريه الصارمة ضد المقصرين.
وفريق يرى فيه نموذج الشخصية الإدارية السوية والنزيهة، وحسبه من ذلك كله أنه قسم من حوله إلى فريقين، فريق يذم وفريق يمدح، وهذه متلازمة التميز والنجاح والنزاهة، وهو بين هؤلاء وهؤلاء كالمتنبي في شطره الشهير (ويسهر الخلق جراها ويختصم).
زارنا في قسمنا على خلفية خطأ يصنف على أنه من الأخطاء الجسيمة، زيارته كانت مفاجئة وغير متوقعة، كان يرافقه مساعده وكان يردفه حجة وسؤالا واستشهادا، سمع من أهل المكان ردودهم على المشكلة، كان يسمع ويقرأ ويحلل، كانت تبدو على وجهه قناعات مسبقة عن المكان وأهله، كان يحاول أن يكون موضوعيا في حواره ونقاشه، باختصار جاء ليسمع ويشاهد.
طلب لقاء المذنبين، أدخلوا عليه، كانت قلوبهم ترتجف من شخصه أولا ومن خطئهم ثانيا، الجميع يمني نفسه ألا يكون كبش فداء هذا الحدث، ألقى في حضرة المقصرين كلمة قصيرة، كانت مفرداتها موغلة في البساطة، ولكنها كانت مركزة جدا بالقدرالذي فجر المفاجأة غيرالمتوقعة (صاحب الخطأ الذي نبحث عنه منذ يومين يعلن وفي حضرة صاحب السعادة أنه المسؤول عن الخطأ الجسيم) يا للمفاجأة المقصر يعترف.
يعود صاحب السعادة ليصلح جلسته الهجومية السابقة مسترخيا، وترتسم على محياه ابتسامة يراها المغفلون المقصرون رضى، وهي كما قال المتنبي:
وفيك إذا جنى الجاني أناة تظن كرامة وهي احتقار
واصل الجميع الحديث في حضرته، كل يدلي بدلوه، ولكنه في عقله الباطن كان قد وصل إلى قناعة، الله أعلم بها، شاهد ذلك اكتفاؤه بما قال.
استأذن سعادته وساد المكان صمت كبير، ولغط أكبر، وهنا برز المحللون والنمامون والمثقفون يسألون عن سبب مجيئه وسر اجتماعه، ومقصده وخطواته المقبلة، الجميع كان قلقا، الجميع كان متوترا، الجميع يدعو الله قائلا: اللهم حوالينا ولا علينا.
صاحب السعادة في إداراتنا ومصالحنا الحكومية عند البعض، رداء ودرع يتلبسه الضعفاء، ولكن الأقوياء وأصحاب القرار وحدهم من يجعلونه مجرد عنوان أو محطة حياتية لا تزيدهم إلا نقاء وتمكنا وثقة.
أعشق الشخصيات القوية وأعشق التعامل معها وأمقت الضعفاء والجبناء الذين يتسترون ويتخندقون خلف مكاتبهم وألقابهم ورؤوسهم عالية مزهوة متكبرة، فيما سوءاتهم تصبح مرمى لكل عابث أو متجاوز وفاسد بليد. صاحب السعادة ومن هو مثلك ومن اقتفى أثرك، أشهد الله أن المخلصين يحبونك وأنني أعشق أسلوبك في العمل لأنني رأيت فيك ما لم أره في كثير من أسلافك.