كُتِبَ لي أن أكون ممن تفضل الله عليهم بنعمة العيش على هذه الأرض، أمشي في شوارعها، جنباتها، أتأمل ساكنيها، أشاهد، أقرأ، وأسمع.
جنسيات مختلفة، مواطنون، مقيمون شرعيون وغير شرعيين، أنماط متعددة بأفكار وتوجهات وأهداف تفوق أعدادهم، من هم؟ هنا بعضُ النماذج:
يعيشُ على أرض السعودية مواطنون متنفذون يرون فيها البطة التي تبيض ذهباً لهم ولعائلاتهم وخاصتهم لا أكثر، ولا يكنون لها أدنى قدر من الامتنان وفي أوقات الفصل لا يبدون أقل اهتمام لمصلحة هذه الأرض.
ويعيش على أرض السعودية مواطنون بائسون، محبطون، يرون في خارجها الخلاص مما هم فيه.
يعيش على أرض السعودية أكفاء مميزون، تمضي أعمارهم وهم يتطلعون فيها للحظة التي تقدر فيها عطاءاتهم، ويُلتفت إلى تميز قدراتهم وإلى الآن لم يعيشوا تلك اللحظة، وهم رغم ذلك مصرون على متابعة المسير بذات المبادئ وكل هدفهم خدمة هذه الأرض.
فيها من جندوا أنفسهم رُقباء على الآخرين في كل حركاتهم وسكناتهم، يرون أنفسهم مسؤولين عن تقييم دواخل الناس ونواياهم.
وفيها من يرون المخالفين لهم في أصغر التفاصيل أشخاصا غير مقبولين البتة ويجب محاربتهم بشتى الوسائل المشروعة وغيرها.
يعيش على أرض السعودية من لا يدركون ماذا يريدون وماذا يجب أن يفعلوا، تتقاذفهم التيارات والأفكار يميناً وشمالاً، يميلون حيثما مال معتنقو تلك التيارات والأفكار.
يعيش على أرض السعودية من شغلهم الوحيد إطلاق الشعارات والتطبيل لمن لزمه ذلك.
يعيش على أرض السعودية مواطنون ومقيمون، منهم من فقدوا احترامهم لأنفسهم فلم يعودوا قادرين على احترام هذه الأرض وكل من عليها من بشر وحجر، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وتنسب همجيتهم لهذه الأرض دون أن يكون لها في ذلك ناقة ولا جمل.
ويعيش عليها مقيمون يرون في هذه الأرض الكنز الذي فُتِحَ لهم ويجب أن يستغلوا الفرصة ليحوزوا أكبر حصة ممكنة منه في سنوات إقامتهم، والتي قد تمتد لسنوات طويلة يرون أنهم حققوا ما حققوه بفضل ذكائهم وجهودهم وأنه لا فضل لهذه الأرض وأهلها عليهم، بل إن أهل هذه الأرض لا يستحقونها!
كم رأينا مواطنين من أصل غير سعودي احتضنت هذه الأرض عائلاتهم حين عجزت أوطانهم الأصلية عن توفير العيش الكريم لهم، وحين حصلوا على البعثة الدراسية سطروا في وسائط التواصل أنواع المديح والعرفان لتلك البلاد الديموقراطية التي استضافتهم سنوات دراستهم، ونسوا أن يذيلوا ديباجة مديحهم بالعرفان للأرض التي كانت سبباً في أن يعيشوا تلك التجربة والتي لولاها لما عاشوها أبداً.
يعيش على هذه الأرض، ويعيش، ويعيش، فعذراً يا أرض بيت الله وحرم أشرف الخلق، عُذراً يا أرض العطاء والرخاء والجود، عُذراً لكِ عن كل مواطن لم يسعفه إدراكه الضيق لأن يعي أنه بأفعاله التي يعدها ذكاءً في تحقيق مكاسب من خلال التحايل على أنظمة هذه الأرض، وتهميش وإضرار بالمواطنين أو هضم حقوق مقيمين، (أنه بأفعاله تلك) خلق شريحة من البؤساء المحبطين الذين يرمون جامَ غضبهم عليكِ دون ذنبٍ اقترفتيه.
عُذراً لكِ عن كل ضيّق أُفقٍ لا يرى أبعد من أنفه، حرمك من أن تتزيني رقياً وإنجازاً بسواعد أبنائكِ.
عُذراً لكِ عن كل جاهلٍ تائهٍ آذاكِ بتيههِ، وعن كل من وطئ أرضك وأنكر فضلكِ.
وشكرا بكثير من الامتنان أسطره لكِ عن كل من يسكنك وينعم بالأمان، عن كل فردٍ فتحتِ له بابك وذراعيك واحتضنته، شكراً لكِ، لشُرفائكِ، لسمائكِ، لهوائكِ، لترابكِ، فكلما رحت شرقاً، أو غدوتُ غرباً ما ازددتُ إلا يقيناً بأنك جوهر الكون وبدايته ومنتهاه.
فسلام عليكِ يوم ولِدتُ على أرضكِ، وسلامٌ عليكِ في كل يوم عشتُ فيه على ترابكِ، وسلام عليكِ في كل يوم بعدتُ فيه عنكِ واشتقت فيه لهواكِ، وسلام عليكِ يوم تضمينني جسدا بلا روح.
على أرض السعودية عاشوا... ولكن!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
