مثقلا بأرقام السبع سنوات العجاف، وقاسيا بتفاصيل ما خلفته أعوام "الانقسام والحصار"، سيكون اليوم الأول لحكومة "التوافق الوطني" الفلسطيني وهي تستلم مهامها في قطاع غزة، حسبما يرى مراقبون وخبراء فلسطينيون، وما تؤكده الإحصاءات.
ولن يكون اليوم الأول للحكومة القادمة وهي تباشر أعمالها ورديا وهادئا، بحسب هاني البسوس، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الإسلامية بغزة.
وقال البسوس: إن حكومة التوافق الوطني تحمل إرثا ثقيلا، خلفته سنوات الانقسام السبع "2007-2014"، مؤكدا أنها ستصطدم في يومها الأول بأرقام صادمة، نالت من كافة مناحي وتفاصيل الحياة في قطاع غزة.
وأضاف أن حكومة الوحدة القادمة لن تكون كأي حكومة سبقتها، خاصة وهي تتولى مهام وإدارة شؤون القطاع بعد الانقسام، والحصار، فأرقام البطالة والفقر وصلت لمعدلات غير مسبوقة، ويوما بعد آخر يتراكم المشهد القاسي، ليكون هو وكافة تداعياته في استقبال حكومة التوافق.

الحصار يرحب بالتوافق

ووقع وفد فصائلي من منظمة التحرير الفلسطينية، اتفاقا مع حركة "حماس" في غزة، في 23 أبريل الماضي يقضي بإنهاء الانقسام الفلسطيني، وتشكيل حكومة توافقية في غضون 5 أسابيع يتبعها انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني بشكل متزامن.
ومن المقرر الإعلان عن حكومة التوافق الوطني الأسبوع الحالي، وفق تأكيد قادة حركتي فتح وحماس.
من جانبه، اعتبر طلال عوكل، الكاتب السياسي في صحيفة الأيام الفلسطينية الصادرة في رام الله، أن أرقام الحصار والانقسام هي من سترحب بحكومة التوافق الوطني، وهي تتولى إدارة شؤون الحكم في قطاع غزة.
وقال عوكل: إن حكومة الوحدة القادمة، تحمل إرثا ثقيلا لا يمكن وصفه، وتحتاج لمعجزة كي تعيد قطاع غزة إلى ما كان عليه قبل سبع سنوات.
وعقب فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بغالبية مقاعد المجلس التشريعي في يناير 2006، تفاقمت خلافاتها مع حركة "فتح"، وبلغت تلك الخلافات ذروتها بعد الاشتباكات المسلحة بين الحركتين في غزة منتصف يونيو 2007، والتي انتهت بسيطرة حماس على غزة، وهو ما اعتبرته فتح "انقلابا على الشرعية".
وأعقب ذلك الخلاف تشكيل حكومتين فلسطينيتين، الأولى تشرف عليها حماس في غزة، والثانية بالضفة الغربية وتشرف عليها السلطة الفلسطينية التي يتزعمها الرئيس محمود عباس رئيس فتح.
وأضاف عوكل أن السبعة أعوام الماضية بتداعيات الحصار والانقسام وآثارهما جعلت من غزة، مدينة لا تصلح للحياة، وحولت القطاع إلى أكبر سجن مفتوح في العالم.
وتابع، "برا وبحرا وجوا بات قطاع غزة يعيش واقعا صعبا، سيجعل من مهمة أي حكومة قادمة صعبة إن لم تكن مستحيلة في إنهاء ما خلفته السنوات الماضية".

7 معابر محاصرة

ومنذ فوز حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في 2006، فرضت إسرائيل حصارا على قطاع غزة، شددته بعد سيطرة  الحركة على القطاع في يونيو 2007.
ويحيط بقطاع غزة 7 معابر تخضع 6 منها لسيطرة إسرائيل، والمعبر الوحيد الخارج عن سيطرتها هو معبر رفح البري والواقع على الحدود المصرية الفلسطينية.
وأغلقت إسرائيل 4 معابر تجارية في منتصف يونيو 2007 عقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة.
واعتمدت معبرين وحيدين فقط مع قطاع غزة، إذ أبقت على معبر كرم أبو سالم معبرا تجاريا وحيدا، حصرت من خلاله إدخال البضائع المحدودة للقطاع، عدا عن إغلاقه يومين أسبوعيا وفي فترة الأعياد، ولذرائع أمنية قد تمتد لأكثر من أسبوع كامل.
ومنعت إسرائيل مواد البناء لغزة عبر معبر كرم أبو سالم منذ 2007، وسمحت ولأول مرة، بإدخال كميات محدودة بداية سبتمبر 2013، ثم عادت ومنعت إدخالها في الشهر التالي، بدعوى استخدامها من قبل حماس في بناء تحصينات عسكرية، وأنفاق أرضية.
فيما أبقت إسرائيل على معبر بيت حانون "إيريز- شمال القطاع" كبوابة لتنقل فئات خاصة من الأفراد "المرضى ورجال الأعمال" بين غزة والضفة الغربية.
وخلال السنوات السبع الماضية شددت إسرائيل حصارها على معبر رفح، جنوب القطاع والواقع على الحدود المصرية الفلسطينية، متذرعة باتفاقية المعابر الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في نوفمبر 2005 التي تنص على فتح المعبر بوجود بعثة الاتحاد الأوروبي.

الإخوان ورفح

وبعد فوز محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في يونيو 2012 في الانتخابات الرئاسية المصرية، شهد معبر رفح تحسنا كبيرا في سفر المواطنين من وإلى قطاع غزة، ودخول عشرات القوافل والوفود التضامنية، غير أن هذا المشهد ما لبث أن تغير بعد عام واحد فقط، فبعد عزل مرسي على يد الجيش بمشاركة قوى وشخصيات سياسية ودينية في 3 يوليو 2013، أغلقت مصر معبر رفح الواصل بين غزة ومصر، بشكل شبه كامل.
ولا تفتح السلطات المصرية المعبر سوى لسفر الحالات الإنسانية على فترات متباعدة.
كما أصدرت محكمة بالقاهرة، في 4 مارس 2014، حكما بوقف نشاط حماس، داخل مصر وحظر أنشطتها بالكامل، والتحفظ على مقراتها بمصر.
وتقول وزارة الشؤون الخارجية في الحكومة المقالة بغزة، إن إغلاق مصر لمعبر رفح قلص حركة الوفود والقوافل المتضامنة مع غزة بنسبة 95%.
وتم تجميد العمل في نشاط تهريب البضائع من مصر لغزة، عقب حملة الهدم المستمرة للأنفاق من قبل الجيش المصري، ما أوقف ما يصفه مراقبون بـ"شريان حياة القطاع" ومتنفسها الوحيد.

جيوش من الفقراء

ومن أقسى مظاهر الحصار وأشدها وجعا على سكان قطاع غزة، خلال سنوات الحصار والانقسام ما تمثل في أزمة الكهرباء والتي بدأت منذ  قصف الطائرات الإسرائيلية لمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في صيف 2006.
ويعيش سكان القطاع، منذ سبع سنوات وفق جدول توزيع يومي بواقع 8 ساعات تعمل فيها الكهرباء و8 ساعات تقطع فيها.
وتسببت الوسائل التي يستخدمها الفلسطينيون في إنارة منازلهم خلال فترة انقطاع الكهرباء بالعديد من الحرائق والمآسي الإنسانية.
وبحسب مخيمر أبو سعدة أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر بغزة، فإن حكومة الوحدة القادمة ستواجه أرقاما من جيوش الفقراء والعاطلين عن العمل.
وأضاف أبو سعدة "اليوم الأول سيكون قاسيا، هذه الحكومة لن تكون مهمتها عادية، ولن تنعم بأضواء الاستقبال والكاميرات، فسنوات الانقسام السبع، والحصار تسببت بكوارث إنسانية واقتصادية، لا يمكن حصرها، إنها سبع سنوات عجاف".
ويعيش 1.8 مليون فلسطيني في قطاع غزة، في الوقت الراهن واقعا اقتصاديا وإنسانيا قاسيا، في ظل تشديد الحصار الإسرائيلي والمتزامن مع إغلاق الأنفاق الحدودية من قبل السلطات المصرية.

%50 بطالة متوقعة

ووفقا لمركز الإحصاء الفلسطيني، فقد ارتفع معدل البطالة في قطاع غزة إلى 40% في الربع الأول من 2014.
ووفق مراكز حقوقية واقتصادية فإن 2014 سيشهد نموا في معدلات البطالة في قطاع غزة تتجاوز الـ50% في حال استمر الحصار.
ويكفي أن تواجه الحكومة القادمة تراكمات السنوات السبع الماضية، ليكون يومها الأول قاسيا ومعقدا وفقا لرامي عبده رئيس المرصد الأورمتوسطي لحقوق الإنسان.
والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، منظمة حقوق إنسان أوروبية شرق أوسطية، مسجلة ضمن المكاتب الحقوقية العاملة على الصعيد الدولي في جنيف، ويعمل بها عدد من الحقوقيين ذوي الأصول العربية.
وللمرصد مكتب إقليمي في قطاع غزة، كما يتواجد ممثلوه ومندوبوه على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقال عبده إن "سنوات الانقسام والحصار، الطويلة والمؤلمة أفقدت قطاع غزة كل معالم الحياة"، مشددا على أن بعض الاختراقات في الأعوام الماضية لم تكن كافية لإنقاذ المحاصرين.
وأضاف "نتحدث عن أرقام مرعبة نتيجة حربين شرستين، وأعوام طويلة من الانقسام والحصار، والخلافات السياسية، وهذا ما يجعل اليوم الأول  لحكومة الوحدة، عنوانه الوحيد "أرقام السبع عجاف".

2500 ورشة مغلقة

ووفق اتحاد العمال في قطاع غزة فإن 170 ألف عامل من أصل 330 ألفا يعيلون نحو 615 ألف نسمة عاطلون عن العمل جراء تشديد الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ 2007.
وبعد إغلاق الأنفاق الحدودية مع مصر، والتي كانت ممرا لدخول جميع المستلزمات التي تمنع إسرائيل دخولها وفي مقدمتها مواد البناء، بدأ الاقتصاد في غزة بالتراجع، إذ أدى هدم الأنفاق وتشديد الحصار إلى إغلاق 2500 مصنع وورشة عمل بشكل كلي أو جزئي.
وبحسب اللجنة الشعبية لكسر الحصار (غير حكومية)، فإن أكثر من مليون شخص يعتمد في الوقت الراهن على المساعدات الإغاثية الدولية، والفقر يتجاوز وفق المعطيات الحالية نسبة الـ80%.
ونال الحصار من شباك صيادي غزة، فمن ثلاثة إلى ستة أميال فقط تسمح إسرائيل للصيادين بالإبحار إلى عمق البحر، وسط مضايقات خانقة لا تتوقف، تسببت بإصابة ومقتل العشرات منهم.
وقبل فرض الحصار على غزة كانت مساحة الصيد تتخطى الـ12 ميلا، حسب الاتفاقيات الدولية.
ويعمل في مهنة الصيد في قطاع غزة نحو 3500 صياد، يعيلون أكثر من 50 ألف نسمة وفق نقابة الصيادين بغزة.

1.2 مليار دولار خسائر

ويعاني قطاع غزة من آثار ما خلفته الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين في عامي 2008 و2011 من دمار للبنية التحتية بالقطاع.
وسبق أن شنت إسرائيل حربين على غزة، الأولى بدأت في 27 ديسمبر 2008 وأطلقت عليها عملية "الرصاص المصبوب"، أسفرت عن مقتل وجرح آلاف الفلسطينيين، وتدمير هائل للمنازل وللبنية التحتية.
والثانية في نوفمبر 2012، استمرت 8 أيام أسفرت عن مقتل وجرح العشرات من الفلسطينيين، وتدمير واسع للمنشآت والمؤسسات الاقتصادية.
كما تسببت الحربان في أضرار مباشرة وغير مباشرة قدرت بأكثر من 1.2 مليار دولار طالت القطاعات التجارية، والصناعية، والزراعية، والبنية التحتية وفق الأرقام التي كشفت عنها حكومة غزة المقالة.