في الردهات ستستمع إلى حوارات من نوع «يحتاج المحرك 14 دورة خلال فترة دقيقتين و30 ثانية لينتج قطعة بسماكة..» وإن تنازلت عن سماع بقية الجملة لتجنب نفسك محاولة مستعصية للفهم، فلا بد أن تلتقط عينك مشهد مجموعة أطفال يبدون للوهلة الأولى لاهين بأصابعهم بطريقة غريبة، لكن سرعان ما ينطق أحدهم رقما يدل على أن هذا اللهو لم يكن سوى عملية حسابية قام بها بطريقته الخاصة.
أطفال من نوع خاص وبكثافة كبيرة سيمنحونك إحساسا بأنك وصلت للعنوان الخاطئ وأنك قد تكون دخلت لأي شيء إلا الفندق الذي قصدته! هم 133 طالبا وطالبة في مراحل دراسية بين الصف الثالث الابتدائي والثالث متوسط يقبعون في أحد فنادق الرياض ليتم كل واحد منهم 69 ساعة تدريب كحد أدنى في تخصصات الرياضيات والفيزياء والكيمياء، متنازلين عن وقت إجازتهم الخاص، وهو ما يجعلهم مختلفين عن أقرانهم، وإذا كان «مصطفى» النموذج العربي الأصيل للتفوق الدراسي فإن مجموعة الأطفال «غريبي الأطوار» ليسوا إلا إصدارا سعوديا حقيقيا من آينشتاين الذي بدأ بدوره يستعد لارتداء غترته، إذ يشكل هؤلاء الأطفال الفريق السعودي لأولمبياد الكيمياء والرياضيات والفيزياء الدولية، ويمتلكون عبر الحقائب التدريبية التي تمنحها لهم مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع مهارات عالية تجعلهم صيدا ثمينا لجامعات عالمية بعضها في قائمة أفضل 5 جامعات في العالم، وتقدم لهم عروضا للقبول لديها قبل أن يتجاوز الطالب المرحلة الثانوية.
للأنثى مثل حظ الذكرين
وزراء ومسؤولون كبار توجهوا لزيارة الأطفال ضمن فترات متفرقة، لكن أيا كان الزائر لهؤلاء الأطفال الذين يحتلون 150 حجرة في نزل العباقرة، فإنه يجب ألا يطمح بالتفاتتهم أو اهتمامهم، الذي لا ينصب إلا على ما يهتمون به من مسائل، حيث مرحهم الوحيد يتمثل في أوراق ملصقة على لوح زجاجي تحتوي ما يطلقون عليه «التحديات» وهي عبارة عن مسائل صعبة يتبارون فيما بينهم في حلها أثناء أوقات فراغهم.
قاعة الطعام هي المكان الوحيد في النزل الذي يستعيد فيه العباقرة طفولتهم لتناول أطعمة لا تختلف عما يفضله أقرانهم كالبيتزا والمكرونة والفشار.
كما أن هناك أولويات خاصة يضعها منظمو الملتقيات ربع السنوية للبنات، إذ تستضاف الطالبات مع مرافق وتمنح كل واحدة منهن حجرة خاصة بينما يسكن كل طالبين في حجرة واحدة.
مخزون استراتيجي عقلي!
المدرسة السعودية للتدريب والتي حققت خلال 4 أعوام ما بين 2010 و 2014 قفزة نوعية باتت مثار تساؤلات دولية ومطلبا عالميا، إذ انتقل ترتيب السعودية في الأولمبياد العلمي العالمي من 73 إلى 29 متقدمة على ألمانيا وإسرائيل في الرياضيات، وحصدت في 2010 ميداليتين فيما وصل عدد الميداليات التي حصل عليها الفريق السعودي في 2014 إلى 33 ميدالية، ليشكل الفريق السعودي عبر إنجازاته جيشا علميا يعد مخزونا استراتيجيا من العقول التي سترسم خطوطا عريضة لمستقبل السعودية.
ويتم اختيار جنود هذا الجيش العلمي من أفضل الطلاب بنسبة تتراوح بين 0.5% إلى 1% من عدد الطلاب المشاركين في اختبارات المقياس الوطني للتعرف على الموهوبين والذين يتم اختارهم في أبريل من كل عام عبر اختبار المركز الوطني للقياس والتقويم الذي يشارك فيه ما بين 50 ألف إلى 70 ألف طالب سنويا، إضافة إلى مسوح ميدانية على المدارس.
ولا غرابة في عدد جنود الجيش العلمي السعودي، إذ إن مستويات التدريب المتدرجة من الصفر إلى 5 يعرف كل عضو فيها موعد تمثيله للسعودية عالميا، حيث يتم تدريب المستويات صفر وواحد واثنين ضمن الملتقيات ربع السنوية، فيما يتدرب المستوى الثالث والرابع في كاوست أما من يمثلون السعودية للعام 2015 يمضون فترتهم التدريبية حاليا في تايوان في استعدادات نهائية للانتقال للأولمبياد الدولية.
شغف دولي
دول كأستراليا، وبريطانيا، وكازخستان عوضا عن جميع الدول العربية أثارتها تجربة التدريب السعودية وطلبت الاطلاع عليها ومشاركتها للتعرف على سر القفزة النوعية التي حققتها، وفيما يقر المدير العام للأولمبياد الدولي الدكتور عبدالرحمن القويزاني أن بداية البرامج كانت انبهارا بالحقائب التدريبية الأجنبية إلا أن ذلك سرعان ما تغير إلى حقائب صممها مدربو الأولمبياد في السعودية بحيث تحدث سنويا على حسب مستوى الطلاب.

