ثمانون مليار ريال لدعم التعليم العام في السعودية، مبلغ ضخم، وضخامته هذه تدلل على الأهمية التي توليها السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للتعليم، فهو المفتاح للتقدم وبوابة دخول المجتمع السعودي فعلياً إلى العصر الحديث؛ تمثلاً لمعارفه وتوظيفاً لها في خدمته وإسهاما في الدفع به نحو ما يحقق له مكانة حضارية مرموقة. لكن هذا المبلغ لم يكن مبتدأ وعي جديد بأهمية الدور التربوي والتعليمي، بل هو اندراج في سياق متصل من الاهتمام الذي يبرهن عليه الإنفاق دوما بسخاء. ففي تقرير البنك الدولي العام الماضي تحتل السعودية أعلى معدل إنفاق في العالم على قطاع التعليم، ويستشهد التقرير على ذلك بحصول قطاع التعليم على مبلغ 204 مليارات ريال في ميزانية 2013، وقد ارتفع هذا المبلغ إلى 210 مليارات ريال في ميزانية هذا العام، بنسبة قدرها 24.56% من إجمالي ميزانية الدولة. ليس المبلغ الأخير -إذن- منعطف وعي جديد في السعودية تجاه التعليم، بقدر ما هو تأكيد مضاعف على الاهتمام. لكن هذا التأكيد يستدعي التساؤل عن نتائج الإنفاق السابق، فقد كان إنفاقاً ضخماً، ولا بد أن تكون له آثار في مستوى ضخامته التي فاقت مستويات الإنفاق في كبريات دول العالم. وقد نقول إن إصلاح التعليم وتطويره مسألة لا تقف على توافر مزيد من المال، فمشكلة التعليم لدينا مشكلة ثقافة وأنظمة ووقائع اقتصادية واجتماعية أكثر منها مشكلة قصور أو عجز مالي. إن إصلاح التعليم العام وتطويره مسألة لا تنفصل عن إصلاح جوانب مختلفة في المجتمع، فالتعليم كسائر القطاعات ليس حقلاً منفصلاً يمكن أن ننظر إلى مشكلاته وأن نعالجها لوحدها. لا بد أن تنعكس على جودة التعليم العام وجدارته ومستويات الجدية والرصانة فيه، أنظمة التوظيف في قطاعات العمل المختلفة، ووقائع الممارسة العملية في هذه القطاعات. ولا بد أن تنعكس عليه وقائع القبول في الجامعات ومستوى الدراسة فيها ومقدار ما تتطلبه من جدية وكفاءة. ما أشعر به -وقد يكون شعوري خاطئاً- أن في قطاع التعليم لدينا ما يشبه فقدان الحماسة... أو فقدان الشهية. وهذا الفقدان داء عضال إذا تمكن من مجتمع أورثه الخمول والتواكل وأقعده عن أحلام المستقبل وحرمه من الطموح إليه إلا بالمعنى الذي ينحرف فيه الطموح عن أن يكون طموحاً حقيقياً أو أن يتعدى أثره دائرة الفرد إلى محيطه الاجتماعي. نحن بحاجة إلى معادلة كيميائية تصنع في الطلاب والمعلمين والقائمين على التعليم الحماسة وتفتح شهيتهم. ويخيل إلي أن هذه الكيمياء لن تكون بغير حب الوطن حباً لا ينفصل عن حب كل امرئ لذاته. إن الشعوب إذا أحبت أوطانها عملت بإخلاص وفي الإخلاص السر الدفين للجودة والسرعة والإنجاز، والشعوب إذا أحبت أوطانها شعر كل فرد فيها بذاته، والشعور بالذات هو السر الدفين للابتكار والإبداع والخلق. إن علينا أن نكافح كل فكر أو فعل لا يجعلنا نحب وطننا بالقدر الذي يوازي حبنا لذواتنا. وهنا معركتنا من أجل المستقبل، وهي معركة ليست يسيرة!
لابد أن تنعكس على جودة التعليم العام وجدارته ومستويات الجدية والرصانة فيه، أنظمة التوظيف في قطاعات العمل المختلفة.
التعليم.. المعركة من أجل المستقبل!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
