لا شك أن المصدر الأساسي للدين هو النص الشرعي، لكن النص يظل صامتا تستنطقه عقول الرجال، على حد تعبير علي بن أبي طالب، والواقع ذو أثر كبير في طريقة قراءة النص، فالنصوص ليست متعالية على الواقع، بل ثمة جدلية بين النص والواقع؛ وذلك لأن الواقع بشبكته المعقدة من الأحداث السياسية والثقافية والاقتصادية هو مجال التطبيق، وهو المكون الأساس لعقليات العلماء المستنطقين للنصوص، ومن هنا فإذا أردنا أن نقرأ تاريخ الأفكار الدينية المعاصرة في مجتمعنا اليوم، أو في تراثنا الديني المتراكم خلال مسيرة الحضارة الإسلامية، فعلينا أن نستحضر تلك الوقائع، ونعرف مدى حضورها في أطروحات الفقيه والعالم والأديب والمثقف، ومدى حضورها وأثرها في تدوين العلوم، وتأسيس مناهج فهم النص كعلم الجرح والتعديل لرجال الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلم السياسة الشرعية، وعلم العقيدة، وثمة أحداث تاريخية فاصلة مرت بها الأمة الإسلامية ساهمت في تشكيل رؤى دينية، ومن تلك الأحداث سقوط الخلافة الراشدة وتحول الخلافة إلى ملك أموي جبري، وتبني السلطة العباسية في خلافة المأمون لمنهج الاعتزال وملاحقة أهل الحديث، ثم تبني المتوكل لمنهج أهل الحديث وملاحقة المعتزلة، والغزو الصليبي، وسقوط الخلافة العباسية، وفتح القسطنطينية، وسقوط الأندلس، وقيام المملكة الصفوية في إيران والحروب بينها وبين الخلافة العثمانية، وحقبة الاستعمار الغربي للدول الإسلامية، واحتلال أفغانستان، وأحداث سبتمبر.
فكل حدث من هذه الأحداث كان له أثر في تشكيل رؤية دينية للمعاصرين له، وليس بمقدورنا الوقوف على كل حدث وأثره في تشكيل الرؤية، فحسبنا أن نضرب مثلًا واحدًا على هذا؛ وهو حدث تولية معاوية بن أبي سفيان لابنه يزيد الخلافة؛ فهو من أكثر أحداث القرن الأول إثارة للرأي العام، إذ قامت عليه ثورة الحسين، ثم ثورة عبدالله بن الزبير، وبعد حين تولي عبدالملك بن مروان للخلافة بعد حرب أهلية دامية، ولم يكن العلماء والفقهاء بعيدين عن التأثر بهذه الأحداث، إذ انقسموا إلى تيارات، كل تيار اتخذ موقفا من تلك الأحداث، منهم من آثر الاعتزال عن الفتنة، ومنهم من انحاز للسلطة أو للمعارضة، ومنهم من بقيت معارضته صامتة، وفئة تحولت معارضتها إلى حركة مسلحة؛ إذ قاد التابعي المشهور عبدالرحمن بن الأشعث ثورة على عبدالملك بن مروان وواليه الحجاج بن يوسف، وكان ضمن الثوار ثلة من الفقهاء كالشعبي وابن أبي ليلى، لكن الحجاج بن يوسف سحق الثورة، ونتيجة للإحباط وانسداد الأفق لدى ثلة من المشاركين في الثورة تولد مفهوم الإرجاء، قال قتادة: «إنما نشأ هذا الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث»؛ إذ كان الإرجاء في حقيقته رفعا للمسؤولية عن العالم تجاه المجتمع، وهو تقعيد نابع عن انسداد الأفق واليأس من التغيير.
وقبل ذلك نشأت فرقة الخوارج نتيجة الحرب الأهلية التي قامت بين علي بن أبي طالب ومعاوية، وهي في حقيقتها حركة معارضة سياسية مسلحة، لكنها مع الأيام تحولت إلى أيديولوجيا. وبعد مقتل الحسين قامت حركة التوابين بقيادة عبدالله بن صرد، وما لبثت الحركة بعد حين أن تحولت إلى أيديولوجية التشيع العقدي. هذه الأحداث والوقائع كان لها دور كبير جدا في صنع رؤية الفقيه تجاه الوقائع، وتقويم الرجال، ورواة الحديث، ونشوء مدارس الفقه، والتيارات العقدية.
وكل محاولة لفهم أطروحات تيارات أهل الحديث، والحنابلة، وأهل الرأي، والمرجئة، والمعتزلة، والشيعة، وغيرها من التيارات والمذاهب الدينية دون الإلمام بأثر هذه الأحداث - التي حدثت في مدى عشرين سنة فقط من التاريخ الإسلامي- في تأسيس الفهم الديني لتلك التيارات إنما هي محاولة قاصرة وانتقائية.
وإذا طبقنا المنهج نفسه على مجتمعنا السعودي ورؤاه الدينية نجد أن ثمة وقائع تاريخية تعد مفاصل كبرى في تشكيل رؤاه وتياراته الدينية، كفتح الرياض، وفتح الحجاز، واكتشاف النفط، وإنشاء التعليم، ثم تعليم البنات، والبعثات الدراسية، والأزمات السياسية بين السعودية ومصر، وقيام الثورة الإيرانية، وحادثة احتلال الحرم، وأزمة الخليج واحتلال الكويت، أحداث سبتمبر ومشاركة سعوديين فيها.
وكل دراسة عن واقع الثقافة والفكر في المجتمع السعودي دون تتبع هذه الوقائع وأثرها في تشكيل الرؤى الثقافية والفكرية في المجتمع السعودي ستكون دراسة قاصرة بلا ريب.

[email protected]